مؤثرو السلطة في سوريا.. الاكتفاء بالضجيج الرقمي والهروب من مواجهة الأزمات الحقيقية


هذا الخبر بعنوان "مؤثرو السلطة.. والتوغل في الحفرة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا تُقاس قدرة أي سلطة على تجاوز الأزمات بكثرة بياناتها الرسمية، ولا بعدد الأصوات التي تتسابق للدفاع عنها عبر منصات التواصل، وإنما بقدرتها الفعلية على مواجهة الأسئلة الصعبة والاعتراف بالأخطاء حين تقع وتصحيح المسار قبل أن يصبح التراجع مستحيلًا. فالسلطة التي تخاف النقد وتتعامل معه بوصفه تهديدًا تستبدل العمل السياسي بالدعاية، والمؤسسات القوية بالحملات الإعلامية، والحقائق بالضجيج المؤقت. وعندما يصبح الهجوم على المعترضين هو الرد الوحيد المتاح، فهذا يعني أن الخلل لا يكمن في المنتقدين بل في واقع مؤلم لا يرغب أحد في مواجهته بجدية ومسؤولية.
في سوريا، تبدو هذه القضية أكثر إلحاحًا وخطورة، ولا سيما خلال المرحلة الانتقالية الحساسة التي تحتاج إلى مؤسسات تتحمل النقد البنّاء وإدارة سياسية تراجع قراراتها وتبحث عن حلول عملية. وما تحتاج إليه البلاد ليس جيوشًا إلكترونية تنشغل بمهاجمة المخالفين وتوزيع تهم العمالة والخيانة من دون أدلة، فالأزمات المعيشية والاقتصادية والأمنية المتفاقمة لا تُعالَج بالتشهير، ولا تتحول الهزيمة إلى نصر لمجرد أن مؤثرًا معروفًا أطلق حملة صاخبة ضد خصوم السلطة.
قد يبدو اللجوء إلى المؤثرين خيارًا سريعًا وجذابًا، فبعضهم يملك ملايين المتابعين ويمكنه إيصال رسالة محددة خلال دقائق إلى جمهور واسع، إلا أن الشهرة الرقمية لا تعني امتلاك معرفة سياسية عميقة، وكثرة المشاهدات لا تجعل الرواية صحيحة تلقائيًا. كما أن القدرة على إثارة الغضب لا تعني امتلاك حل واقعي؛ فالمؤثر الذي يقوم محتواه على الاستفزاز والسخرية والإهانة قد ينجح في إشعال معركة إلكترونية، لكنه لن يخفض الأسعار أو يؤمّن الكهرباء أو يصلح مؤسسة حكومية أو يعيد الثقة بين المواطن والدولة.
المشكلة ليست في استخدام المؤثرين بل في تحويلهم إلى أدوات منظمة لتغطية الإخفاقات وتوجيه الغضب نحو أشخاص محددين. وبدلًا من مناقشة السؤال المطروح، يبدأ البحث عن صاحبه وخلفياته ومموليه، وهكذا ينتقل النقاش من الفكرة إلى الشخص ومن السياسة إلى التشهير ومن المساءلة إلى التخوين. ومع تكرار ذلك، يقتنع الناس بأن الصمت أكثر أمانًا، فيبدو الهدوء استقرارًا بينما هو في الحقيقة غضب مؤجل قابل للانفجار.
وحين ترفع السلطة شعارات دينية وأخلاقية، يشتد التناقض خطورة إذا استعانت بأشخاص يقدمون خطابًا يناقض مبادئها. فالإسلام لا يبرر الكذب أو البهتان أو الشتائم، ولا يجعل أعراض الناس مباحة، ولا يحول الاختلاف الطبيعي إلى تحريض وعداء. ومن هنا، لا يمكن أن تكون الإهانة دينًا، ولا التخوين خُلقًا، ولا الافتراء وسيلة لبناء دولة مؤسسات. والمنتقدون للسلطة والمتسامحون مع خطاب المدح الذي يعتمد على الإهانة والتحريض يكشفون عن تناقض يضعف صدقية السلطة ويكشف اعتمادها على الولاء بدلًا من الكفاءة.
الإفراط في الاعتماد على المؤثرين يترك آثارًا تتجاوز اللحظة الإعلامية؛ فهو يضعف مكانة الخبراء والصحفيين والباحثين عندما يصبح مقطع سطحي أكثر تأثيرًا من دراسة متخصصة، كما يعمق الانقسام الاجتماعي. وفي مجتمع أنهكته الحرب، قد تفتح عبارة متهورة جرحًا جديدًا، وهذا ما يظهر في التحريض الذي يمارسه مؤثرو السلطة ضد شرائح سورية مختلفة، حتى ممن قبلوا بها لمجرد طرحهم مشكلاتهم اليومية. والأخطر أن السلطة قد تصبح أسيرة المدافعين عنها، فكلما كثرت الجهات التي تبرر أخطاءها سمعت ما يريحها وغاب عنها ما تحتاج إلى معرفته.
المطلوب ليس إلغاء دور المؤثرين، بل وضع معايير واضحة لمشاركتهم في الشأن العام، أهمها الصدق واحترام القانون والتمييز بين الخبر والرأي ورفض التحريض والامتناع عن التشهير. ومن يستخدم شهرته لإذلال الناس وإشعال الكراهية يجب أن يخضع للمساءلة القانونية مهما بلغ عدد متابعيه. وفي النهاية، لا تخرج السلطة من حفرتها العميقة بمضاعفة الشتائم، بل عبر العودة إلى السياسة والمؤسسات واستعادة الثقة العامة المفقودة.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة