سياسة

مطار المزة العسكري بين الاستثمار الاقتصادي ومخاوف طمس المقابر الجماعية وحقوق الأراضي

enabbaladi.net١٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٠ م2 مشاهدة
مطار المزة العسكري بين الاستثمار الاقتصادي ومخاوف طمس المقابر الجماعية وحقوق الأراضي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "مطار “المزة”.. استثمار اقتصادي يصطدم بإرث المفقودين وحقوق الأرض" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أثارت خطة الحكومة السورية لتحويل مطار “المزة العسكري” في دمشق إلى مركز للطيران الخاص مخاوف واسعة لدى منظمات حقوقية وسكان محليين، حذروا من أن عمليات إعادة التطوير قد تؤدي إلى العبث بمقابر جماعية مُشتبه بها في المنطقة، وطمس الأدلة الجنائية اللازمة لتحديد هوية الضحايا، فضلًا عن تجاهل حقوق ملكية أراضٍ شاسعة.

ويأتي هذا الحراك الحقوقي والشعبي متزامنًا مع ما أعلنت عنه هيئة الطيران المدني، عبر تقرير نشرته وكالة الأنباء السورية الرسمية (سانا)، بشأن استعداداتها لإعادة تصنيف مطار “المزة العسكري” ليُستخدم كمنشأة مدنية محدودة، تركّز على الطيران الخاص والتنفيذي كخطوة استكمالية لمطار دمشق الدولي. وأشار التقرير الرسمي إلى أن أعمال إزالة الأنقاض وتحديث البنية التحتية قد بدأت بالفعل على أرض الواقع.

وأعاد الإعلان عن تأهيل المطار وتطويره ليصبح منشأة مدنية خاصة، ملف الأراضي المستملكة من قبل الدولة إلى الواجهة مجددًا، مفجرًا موجة جديدة من المطالبات الحقوقية والأهلية. تجمع عشرات الأهالي من مختلف مناطق ريف دمشق مثل معضمية الشام وصبورة وقدسيا وأرض كيوان للمطالبة بإلغاء قوانين الاستملاك وتسوية أوضاع أراضيهم المصادرة سابقًا في 11 من أيلول 2026 بحسب ما وثقته عنب بلدي عبر مراسلها أحمد المسلماني.

كما يبرز المشروع كاختبار لكيفية موازنة الحكومة السورية بين السعي لجذب الاستثمار وإعادة تطوير أصول الدولة، وبين إرثين لم يتم حلهما: مصير عشرات الآلاف من السوريين المفقودين، وحقوق الملكية التي اكتنفتها عقود من المصادرة.

وثائق مسربة تكشف دور المطار كموقع للإعدامات الجماعية

كشفت وكالة “رويترز” عن وثائق جديدة تُظهر الدور المحوري لمطار “المزة” كموقع لتنفيذ أحكام الإعدام في عهد النظام السابق، إذ ضمت قاعدة المزة الجوية فروعًا رئيسية تابعة لمديرية الاستخبارات الجوية، فضلًا عن العديد من مراكز الاحتجاز السرية التي تعرض فيها معارضو الحكومة للتعذيب الممنهج، والإعدام، والاختفاء القسري، في حين استُخدمت أجزاء أخرى من القاعدة لرحلات الرئاسة والبعثات الرسمية.

وتُشير الوثائق، بحسب الوكالة، إلى أن كبار المسؤولين العسكريين السوريين وافقوا في عام 2012 على استخدام منطقة المزة كموقع رئيسي لتنفيذ أحكام الإعدام الصادرة بحق المعتقلين من قبل المحاكم العسكرية الميدانية. وبيّنت إحدى الوثائق اقتراحًا بنقل عمليات الإعدام من سجن “صيدنايا”، الذي كان يُعد أسوأ سجون البلاد سمعةً، إلى قاعدة المزة، لكونها “مجمعًا أمنيًا مغلقًا” شديد التحصين بالقرب من دمشق.

وبناءً على ذلك، طالبت رسالة حقوقية اطلعت عليها “رويترز” الحكومة السورية بضرورة الوقف الفوري لأي أعمال بناء أو حفر حتى يتم التحقيق في الموقعين، محذرةً من أن أعمال الحفر وإزالة الأنقاض الحالية قد تضر بالرفات البشرية المدفونة وتطمس الأدلة الجنائية الحاسمة اللازمة لتحديد هوية الضحايا.

احتجاجات شعبية للمطالبة بإلغاء قوانين الاستملاك

ارتباطًا بهذه التطورات، تجمع العشرات من أهالي مناطق معضمية الشام، وصبورة، وقدسيا، وأرض كيوان، ومناطق أخرى محيطة بدمشق، للمطالبة بإلغاء قوانين الاستملاك الجائرة وتسوية أوضاع الأراضي التي صادرتها الحكومات السورية في فترات سابقة.

ووثقت عنب بلدي في تسجيل مصوّر مطالبات الأهالي باستعادة حقوقهم العقارية، في 11 من أيلول. ويضرب هذا النزاع العقاري بجذوره في عقود مضت، فخلال العقود السابقة، دأبت السلطات السورية على مصادرة الأراضي الخاصة لصالح المشاريع الحكومية والعسكرية، وغالبًا دون تقديم أي تعويضات عادلة للمتضررين.

أراضٍ بلا تعويض.. تاريخ المطار المثير للجدل

تشير السجلات العقارية الصادرة عن بلدية معضمية الشام بريف دمشق، إلى أن مطار المزة قد أُقيم أساسًا على أرض تعود ملكيتها لمئات المواطنين، وتمتد على مساحة تقدر بنحو 2.76 كيلومتر مربع. وفي هذا الإطار، كشف مسؤول بلدي سابق، طلب عدم الكشف عن اسمه، لوكالة “رويترز”، أن الحكومة بررت سيطرتها على تلك المساحات آنذاك عبر إصدار مراسيم نزع ملكية بأثر رجعي عند بناء المطار عام 1956، مؤكدًا أن التعويضات المالية لم تُدفع لأصحاب الأرض الحقيقيين حتى يومنا هذا.

من جانبه، شدد أحد منظمي الاحتجاجات الشعبية على أحقية الأهالي في ملكية العقارات، قائلًا إن “الجلوس على طاولة المفاوضات لمناقشة الحصص والتعويضات يجب أن يكون مع المستثمرين الجدد مباشرة وليس مع الحكومة الحالية، باعتبار أن الأهالي يملكون وثائق تثبت حقهم الشرعي في هذه الأرض”.

ضغوط دولية ودعوات أممية للمساءلة

تأتي هذه الأزمة المتصاعدة في وقت تواجه فيه سوريا ضغوطًا ودعوات مكثفة لمعالجة ملف الاستيلاء على الممتلكات والانتهاكات العقارية التي جرت على مدار العقود الماضية. وكان خبراء الأمم المتحدة في مجال حقوق الأرض قد وجهوا، في الثاني من أيلول الحالي، نداءً عاجلًا ناشدوا فيه الحكومة السورية تعليق وإلغاء القوانين التي مكّنت السلطات من الاستيلاء الممنهج على الممتلكات.

كما طالب الخبراء الأمميون بإنشاء آليات وطنية واضحة لإعادة العقارات إلى أصحابها الشرعيين، أو تقديم تعويضات مالية عادلة وكافية للمتضررين.

تعهدات “فضفاضة” تغيب عنها الضمانات

في المقابل، نقلت وكالة “سانا” عن المتحدث باسم هيئة الطيران المدني تأكيده أن عملية تجديد مطار المزة ستراعي طبيعة المنطقة الحضرية المحيطة به، بالإضافة إلى القضايا القانونية والاجتماعية ذات الصلة. ومع ذلك، تجاهلت التقارير الرسمية ذكر مسألة المقابر الجماعية المُشتبه بها أو حقوق الأرض المتنازع عليها على وجه التحديد، في حين لا يزال الغموض يكتنف هوية الجهة الاستثمارية أو الشركات التي ستتولّى رسميًا مشروع تطوير المطار.

ومطار “المزة العسكري” هو أقرب المطارات إلى دمشق، إذ لا يبعد عن وسطها سوى أقل من ثمانية كيلومترات، في حين يبعد عن مطلع أحيائها الغربية نحو كيلومتر واحد. وتعرّض لضربات إسرائيلية عدة مرات، إحداها بعد سقوط النظام بأيام قليلة.

شارك الخبر: