جذور الهوية السورية: قراءة في التحولات التاريخية وصناعة العصبيات الطائفية


هذا الخبر بعنوان "في بعض مراحل تشكّل الهويّة السورية" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بدون هويّة لا توجدُ الأمم ولا تتمايزُ من بعضها، ولأنّ الدولة هي الوعاء الذي يُمكن أن تُصنع فيه الأمّة، ولأنّه لصناعة الأمّة لا بدّ من سرديات تُنشئ هويّتها وتُبنيها، فقد كان المخاض السوري عسيراً، والولادة غير مكتملة، نظراً لحالة التمزّق بين الانتماء القديم ونوازع الانتماء الجديد الذي بدأ بالتخلّق، لكنّه لم يكتمل لظروف كثيرة تمتد جذورها في العقود والقرون السالفة.
في تلك الفترة - أواخر القرن الثامن عشر - كانت الإمبراطوريّة العثمانيّة تسير على درب صناعة الأمّة على أساس المواطنة بعد تأثرها بالتطوّر الذي شهدته أوروبا في هذا المجال، وقد كانت القوانين التي أصدرها السلاطين العثمانيون تحاول تثبيت هذا التوجّه قانونياً. كانت السلطة العثمانية تنتقل من نظام التيمار إلى نظام الالتزام، مما أدى إلى زعزعة أسس النظام القديم وسبب نوعاً من الفوضى وتغيّر موازين القوى المجتمعية.
أدى ازدياد نفوذ القنصليات الأجنبية إلى تغيّرٍ ظاهرٍ في مكانة المسيحيين في المدن الكبرى من بلاد الشام، وعندما احتلّ المصريون تلك المنطقة عام 1831 بقيادة إبراهيم باشا بن محمد علي الكبير، أدخلوا كثيراً من الإصلاحات، مثل فتح المدارس الحديثة في دمشق وفرض الأمن ضد تعديات القبائل. أقام إبراهيم باشا مجالس مدنيّة وعسكريّة ومجلس شورى يلتقي فيه أعضاءٌ من جميع الطوائف.
جميع هذه التطورات سببت مع التراكم شكلاً من أشكال التوتر الطائفي في بلاد الشام، وتم الخلط بين العوامل الاقتصادية وتمظهراتها الاجتماعية. يذكر أسامة المقدسي في كتابه (ثقافة الطائفية) أنّه قبل القرن الثامن عشر لم يعرّف المنتمون للنخبة المحلية أنفسهم قبليّاً أو وطنيّاً، بل بوصفهم وجهاء في مقابل العامّة، وعُقلاء عارفين في مقابل جهلاء عاميين.
يدلّنا ذلك على أنّ العوامل الاقتصادية تلعب دوراً فاعلاً في الاصطفافات الاجتماعية، وأنّه من السهل تحويل الصراعات الطبقية إلى صراعات دينية أو طائفية عندما يكون ذلك في مصلحة أصحاب الثروة والأعيان، أو السلطات السياسية التي تدير البلاد بالعسكر. هذا كان حال المجتمعات العربية في بلاد الشام عند وقوع مذابح عام 1860، التي ابتدأت كإنتفاضة عاميّة مسيحية ضد الإقطاع المسيحي المتمثل بآل الخازن وآل حبيش في كسروان، لكنّها انتهت بمجازر حقيقية ضدّ المسيحيين في دمشق وحلب.
يؤكد هذا التشابك الهائل في خيوط المصادر والمصالح والصراعات أن الذاكرة الجمعية تصبح أكثر التصاقاً بالألم والخوف والنفور. وفي ظلّ غياب المراجعات الحقيقية لهذا التاريخ وانغلاق الاستبداد السياسي، تغدو الجراح أكثر عمقاً، لتأتي المظالم لاحقاً على شكل عنفٍ مضادٍّ يختزل التاريخ بمشهد دموي.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة