اقتصاد

استثمارات الطاقة في سوريا: ما هي الكلفة الحقيقية للشراكة والعقود طويلة الأجل؟

جريدة الوطن٢٥ أيلول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٥ م2 مشاهدة
استثمارات الطاقة في سوريا: ما هي الكلفة الحقيقية للشراكة والعقود طويلة الأجل؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "استثمارات الطاقة..  ما كلفة الشراكة؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٥ أيلول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لا يوجد نموذج استثماري يُعد الأفضل دائماً، إذ يتحدد الاختيار وفقاً لطبيعة المشروع، ومن يتحمل مخاطره، ومصدر إيراداته، بحسب ما يوضحه الخبير والباحث الاقتصادي الدكتور محمود عبد الكريم. غير أن الخطر الأكبر الذي يواجه سوريا لا يتمثل في اختيار النموذج الخاطئ فحسب، بل في توقيع عقود ضعيفة تحت وطأة الحاجة الماسة إلى المال، في ظل اقتصاد تقدر احتياجات إعادة إعماره بنحو عشرة أضعاف ناتجه المحلي.

تمويل سريع والتزامات طويلة
في نموذج الامتياز طويل الأجل، تتولى الشركة تمويل المشروع وتشغيله واستحصال إيراداته لفترة تتراوح غالباً بين 20 و30 عاماً. وتكمن ميزة هذا النموذج في جلب رأس المال بسرعة وتحميل المستثمر مخاطر التنفيذ، وهو ما بدأت سوريا تطبيقه في مشروع مطار دمشق الذي تقدر كلفة توسعته بنحو 4 مليارات دولار. في المقابل، يتمثل عيبه في احتمالية تنازل الدولة عن جزء كبير من إيراداتها لعقود طويلة، وتحول العقد العادل اليوم إلى صيغة مجحفة بعد عقد من الزمن يصعب تعديلها، فضلاً عن خطر تحول صاحب الامتياز إلى محتكر لخدمة أساسية.

تقاسم رأس المال والمخاطر
أما في الشراكة المباشرة مع الدولة، فيتقاسم الطرفان رأس المال والأرباح والمخاطر، حيث تحتفظ الدولة بحصتها ودورها الإداري وتكتسب الخبرة المطلوبة، على غرار ما كان عليه قطاع النفط السوري قبل عام 2010 عندما كان يحقق عائدات تتجاوز 3 مليارات دولار سنوياً ويمول نحو ربع الموازنة. وتبرز المخاطر هنا في احتمالات تضارب المصالح، والتدخل الإداري، وتحمل الدولة للخسائر بينما يستأثر الشريك بالعائد، إلى جانب صعوبة التقييم العادل لما يقدمه كل طرف.

التزامات خفية في الشراكة بين القطاعين العام والخاص
لا تعني الشراكة بين القطاعين العام والخاص بالضرورة خصخصة، إذ تقوم الشركة ببناء المشروع وإدارته لفترة محددة قبل أن يعود الأصل غالباً إلى ملكية الدولة. غير أن الخطورة الكامنة هنا، وفقاً للدكتور محمود عبد الكريم، تكمن في الالتزامات الخفية. ويوضح مثال افتراضي حجم هذه الالتزامات، فعندما تعمل محطة كهرباء بقدرة 1,000 ميغاواط بنسبة 70 بالمئة من طاقتها لتنتج نحو 6.1 مليارات كيلوواط ساعي سنوياً، وتتعهد الدولة بشرائها بسعر 0.10 دولار للكيلوواط ساعي لمدة 20 عاماً، فإنها تلتزم بدفع نحو 610 ملايين دولار سنوياً، أي ما يزيد عن 12 مليار دولار طوال مدة العقد. وحين تباع هذه الكهرباء للمواطن بسعر 0.055 دولار، ستمنى الدولة بخسارة سنوية تقدر بنحو 275 مليون دولار، لتتجاوز خسائرها 5 مليارات دولار خلال عشرين عاماً، دون أن ينعكس ذلك في أرقام الدين العام يوم التوقيع. وإذا كان العقد مقوماً بالدولار وانخفضت قيمة الليرة بنسبة 20 بالمئة، فإن كلفة الالتزام بالليرة ترتفع تلقائياً بنحو 25 بالمئة. ولهذا، يجب التفريق بدقة بين سداد المستثمر لكلفة المشروع وتحمله الفعلي لمخاطره؛ فإذا ضمنت الدولة له السعر والكمية وسعر الصرف، تصبح الدولة قد اقترضت بصيغة غير مرئية.

المنطق الأقرب للمصلحة السورية
يرى الدكتور محمود عبد الكريم أن المصلحة السورية تقتضي احتفاظ الدولة بملكية النفط والغاز باعتبارهما ثروة سيادية، مع الاستعانة بالشركات عبر عقود خدمة أو تقاسم إنتاج. وفيما يتعلق بالشراكات مع القطاع الخاص في محطات الكهرباء، ينبغي اعتمادها بشرط احتساب تكلفتها على الموازنة لعشرين عاماً سبقت التوقيع، وإدارة الشبكات بعقود مرتبطة بأهداف قابلة للقياس مثل خفض الهدر بنسبة محددة خلال فترة زمنية معينة.

الحوكمة أهم من النموذج
تعتبر الحوكمة، برأي الدكتور محمود عبد الكريم، العامل الأهم متفوقة على النموذج نفسه، وهي تتطلب مناقصات تنافسية بدلاً من التفاوض المغلق، ونشف العقود أو شروطها الأساسية، والتوزيع العادل للمخاطر، فضلاً عن وجود رقابة مستقلة على التنفيذ، ووضوح ملكية الأصول والتعرفة المفروضة على المواطن وآليات فض النزاعات. ولا تمثل الحوكمة الجيدة شرطاً أخلاقياً فحسب، بل تعد معياراً أساسياً للحصول على تمويل منخفض الكلفة من المؤسسات الدولية، مثل منحة البنك الدولي البالغة 146 مليون دولار المخصصة لقطاع الكهرباء. ويحذر الدكتور محمود عبد الكريم من أن استقطاب استثمارات كبرى بسرعة ودون هذه الضوابط قد يورث سوريا عقوداً يستحيل إصلاحها لعقود طويلة.

الاستثمار المنتج
في الختام، يتحول الانفتاح الاقتصادي إلى فرصة حقيقية حين تسهم رؤوس الأموال والتكنولوجيا المستوردة في بناء قدرة إنتاجية داخل سوريا، لا أن يقتصر الأمر على فتح السوق المحلية لمزيد من السلع المستوردة.

شارك الخبر: