محاكمات السويداء وامتحان الدولة.. هل تكفي العدالة وحدها لاستعادة الثقة؟


هذا الخبر بعنوان "السويداء بعد الدم.. هل تكفي العدالة وحدها لاستعادة الثقة بالدولة؟" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٧ أيلول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
جانب من جلسات محاكمة متهمين على خلفية أحداث السويداء – أرشيف. قد تبدو محاكمات المتهمين في أحداث السويداء، والمقاعد الانتخابية الشاغرة للمحافظة في مجلس الشعب، ملفين لا يجمع بينهما الكثير؛ فالأول قضائي والثاني سياسي، لكنهما يلتقيان عند سؤال محوري: هل تكفي العدالة وحدها لإعادة بناء العلاقة بين السويداء والدولة؟
المحاسبة حق وليست منّة، وإذا ثبت أن عنصراً أو مسؤولاً تابعاً للدولة ارتكب انتهاكاً في أحداث تموز، فعليه أن يقف أمام القضاء مثل أي مواطن. بل ربما تكون هذه المحاكمات اختباراً أوسع لدمشق نفسها؛ هل تتصرف بوصفها دولة تخضع رجالها للقانون، أم بوصفها امتداداً لجماعة مسلحة تحاسب خصومها وتحمي أبناءها؟ ما كان يمكن فهمه بمنطق الفصائل خلال سنوات الحرب لا يصلح معياراً لإدارة بلد، فالدولة تبدأ عندما يصبح السلاح خاضعاً للقانون حتى لو كان في يد من انتصر.
لكن العدالة تفقد معناها أيضاً إذا صارت مطالبة في اتجاه واحد، وكأن الدم سقط من طرف واحد، أو كأن القتل والخطف والانتهاكات جاءت من جهة واحدة. ما جرى في السويداء كان أكثر تعقيداً؛ فقد وثقت جهات حقوقية انتهاكات ارتكبتها قوات حكومية ومجموعات بدوية مسلحة ومجموعات درزية مسلحة، وهو ما يجعل المحاسبة الشاملة شرطاً لأي مصالحة جدية لا مجرد أداة سياسية.
الدولة بدأت، ولو متأخرة، فتح ملفات لرموز النظام السابق وصدرت أحكام في عدد منها، وهذه خطوة لا تكتمل قيمتها إذا بقيت العدالة مرتبطة بالماضي وحده. المعيار نفسه يجب أن يحكم الحاضر، سواء كان المرتكب مسؤولة في الدولة، أو عنصراً أمنياً، أو قائد فصيل، أو مسلحاً محلياً. فالمحاكمات الجارية في ملف السويداء تكتسب أهميتها من هذه النقطة تحديدا كامتتحان لقدرة السلطة الجديدة على الانتقال من منطق الفصيل إلى منطق المؤسسة.
وفي المقابل، فإن السويداء تحمل خصوصية معقدة؛ فهناك بنية محلية مسلحة أقدم من الأزمة الأخيرة، ومرجعيات دينية وسياسية متنافسة. وبعد أحداث تموز ظهر الحرس الوطني كإطار جمع عشرات الفصائل الموالية لحكمت الهجري، وتحول مع الوقت إلى جزء من سلطة أمر واقع، فيما رفضت قوى وأصوات أخرى هذا المسار. وفي تموز الماضي ذهب الهجري أبعد من ذلك بالحديث عن استقلال السويداء أو وضعها تحت رعاية دولة أخرى، مما فتح الباب للتدخل الإسرائيلي الذي اتخذ من حماية الدروز عنواناً لتدخله العسكري وقصف مواقع ومؤسسات سورية.
هذا التدخل الإسرائيلي منح القوى المحلية التي تراهن على الحماية الخارجية قدرة أكبر على تحدي أي تسوية داخلية، في وقت تعطل فيه وصول آلاف الطلاب إلى امتحاناتهم واستمرت أزمات الخطف والانقسام. ومع إقرار الأمم المتحدة في حزيران بأن خطة إعادة دمج السويداء لم تحقق تقدماً يذكر، يتضح أن القانون والدولة يحتاجان إلى عدالة تصنع الثقة، وسياسة تسحب الذرائع، وصبر يواجه التحديات بحكمة وصبر لضمان ألا تكتُب الأيام المقبلة بمزيد من الدم.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة