واقع الأزمات المعيشية في سوريا: دفاتر الديون في محلات الحارات تفقد قدرتها على الاستمرار


هذا الخبر بعنوان "قال بابا سجل عالدفتر.. دفاتر الديون مواعيد السداد تنتظر الفرج" نشر أولاً على موقع snacksyrian وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقي دفتر الديون في محلات الحارات السورية لعقود أشبهَ ببنك صغير يثق بزبائنه ويقدّم له قروضه بدون كفيل ولا ضمانات سوى وجه الزبون واسمه الذي يعرفه البائع، ثم يعرف أبناءه الذين سيعتادون استخدام عبارة «قال بابا سجّلن ع الدفتر». لكن المشهد تغيّر بعد سنوات الحرب، فعجز الزبائن عن السداد مع أول الشهر، وغاب آخرون عن الحارة ورحل سكّان قبل أن يسدّدوا ديونهم وبقيت أسماءهم شاهدةً على مرورهم في دفاتر الديون لدى البقالية وبائع الخضار وملحمة الحي.
يملك "عبد الجبار أحمد" بقالية في الحارة الغربية بمدينة "القامشلي"، ورغم كل هذه التغيرات لا يزال يستخدم دفتر الديون في محله، لكنه يقول لـ سناك سوري أنه لم يعد يتيح الاستدانة للجميع كما في الماضي، وأن الزبائن يستدينون منه ما يحتاجونه من المواد الغذائية والفواكه في معظم الأحيان، لكنهم لم يعودوا للالتزام بمواعد السداد، في وقتٍ لم يعد تجّار الجملة يزودونه بالبضائع مع مهلة لدفع ثمنها كما كان الحال في الماضي.
وبين دين يطلبه الزبون، وآخر يطالبه به التاجر، يجد “أبو أحمد” نفسه عالقاً في حلقة يصعب الخروج منها. فبعض الزبائن لم يسددوا ديونهم منذ ستة أشهر، وآخرون منذ ثمانية أشهر، وهناك من تجاوزت ديونهم السنة، رغم أن الاتفاق كان على السداد خلال عشرة أيام أو أسبوع أو شهر. ويقول إن تأخر صرف مستحقات مزارعي القمح، الذين ينتظرون فواتيرهم، زاد من تعقيد الوضع، إذ انعكس ذلك على حركة الشراء والسداد في السوق، بينما لم تعد المحال قادرة على مواصلة الإقراض بالوتيرة السابقة.
أما الرواتب، فلها حكاية أخرى إذ يوضح أبو أحمد أن راتباً يتراوح بين مليون ومليون وخمسمئة ألف ليرة سورية، لا يكاد يكفي لتغطية إيجار منزل، خصوصاً أن كثيراً من العائلات تعيش في بيوت مستأجرة، وقد يصل الإيجار إلى نحو 100 دولار، أي ما يعادل مليوناً وأربعمئة ألف ليرة، وبذلك قد ينتهي الراتب قبل أن يصل صاحبه إلى رفوف البقالية، فيما تبقى قائمة الاحتياجات أطول من قائمة المقبوضات.
ويرى “أبو أحمد” أن أزمة الديون التي يعاني منها معظم السوريين، تحتاج إلى حلول مثل زيادة الرواتب وتسريع صرف مستحقات مزارعي القمح، من أجل تخفيف العبء عن المواطنين وإن كان ذلك لا يعني بالضرورة أن دفاتر الديون ستغلق قريباً.
يتذكّر الحاج “راشد أومري” أياماً كانت فيها الديون تسير وفق مواعيد شبه ثابتة، الموظف يأخذ حاجاته بالدين، ويسدد عند قبض راتبه، ثم يعود ليفتح حساباً جديداً للشهر التالي، والمزارع بدوره كان يدفع جزءاً من حسابه ويترك الباقي حتى الموسم المقبل، وكانت المعاملات، بحسب وصفه، أكثر استقراراً.
لكن هذا النظام لم يصمد أمام التغيرات الاقتصادية فارتفاع سعر الدولار، وتأخر رواتب الموظفين لشهر أو شهرين، وعدم حصول مزارعي القمح على مستحقاتهم، كلها عوامل جعلت الإقراض مخاطرة لا يضمن أصحاب المحال نتائجها. ولفت “أومري” في حديثه لـ سناك سوري إلى أن الهجرة والسفر أثّرا أيضاً على حركة السوق، وإن بعض العائلات باتت تعتمد على أقاربها في الخارج لتجاوز الأزمات.
أما من لا يملك أحداً يسانده، فعليه أن يتدبر أموره بما توفر، حتى لو كان ذلك يعني فتح دفتر جديد فوق دفتر قديم. الأوضاع لم تعد تشبه الماضي بحسب “أومري” الذي قال أن دفتر الديون لم يعد مرتبطاً بموعد واحد، بل بات لكل زبون حسابه الخاص، ولكل عائلة ظروفها التي تبرر التأجيل، حتى أصبح بعض أصحاب المحال ينتظرون سداد ديون قديمة قبل أن يتمكنوا من منح ديون جديدة.
في محل “وليد معمو” تبدو المسألة محسومة منذ البداية فقد وضع لافتة تعلن أن الدين ممنوع، وكأنه أراد أن يختصر على نفسه وعلى زبائنه نقاشاً طويلاً حول موعد السداد لكن اللافتة، رغم وضوحها، لا تعني أن باب الدين أُغلق تماماً. فوليد ما زال يبيع بالدين لبعض الأشخاص الذين يعرفهم من الحارة، ضمن حدود ضيقة، وبالنسبة للمستأجرين الجدد لا تتجاوز الديون التي يمنحها في الغالب مئة ألف ليرة أو ما يعادل 15 دولاراً وفق حديثه.
ويرى “معمو” أن الوضع الاقتصادي مشكلة تتداخل فيها عوامل كثيرة، من تأخر الرواتب إلى ارتفاع أسعار المازوت، وصولاً إلى صعوبة التعامل بالعملة السورية الجديدة وتغير الأسعار. أما في الأحياء الشعبية، فتتخذ الديون منحى أكثر تعقيداً، خصوصاً مع انتقال بعض المستأجرين من منازلهم دون تسديد ما عليهم، تاركين أصحاب المحال أمام فواتير يصعب تحصيلها، ويشير “وليد” إلى أن بعض الأشخاص يغادرون الحي ويختفون، فيما تبقى الديون في الدفتر، ولا يجد أصحابها سوى التسليم بالأمر الواقع.
وفي عالم الديون، ليست كل الاحتياجات متساوية، على الأقل من وجهة نظر أصحاب المحال فهناك من يستدين لشراء الرز والسكر والزيت، وهناك من يضيف إلى قائمته المعسل ومستلزمات الأركيلة، وكأن دفتر الديون لا يميز بين الضروري والكمالي، بل يسجل ما يُطلب منه فحسب.
ويرى وليد أن هناك أولويات وثانويات في الاستدانة، وأن بعض الزبائن يطلبون مواد أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، بينما يطلب آخرون مواد ترفيهية أيضاً. وبين دفتر قديم ولافتة جديدة، يبدو أن ثقافة الاستدانة التي اعتادت عليها الحارات السورية تواجه اختباراً صعباً، فالبقال لم يعد قادراً على لعب دور المصرف، والزبون لم يعد قادراً على الوفاء بمواعيده، والتاجر الذي كان يمنح مهلة للدفع بات يطالب بحسابه قبل أن يرسل بضاعته التالية.
وهكذا، لم تعد عبارة “سجّلها عالدفتر” وعداً بسيطاً بتسديد الحساب آخر الشهر، بل صارت بداية حكاية قد تطول ستة أشهر أو سنة، وربما أكثر أما الدفتر نفسه، فيواصل أداء مهمته بصبر، ويسجل أسماء المدينين ومشترياتهم ومواعيد سدادهم التي تتأجل باستمرار، في وقت يبدو فيه أن أكثر ما ينقص السوق اليوم ليس الدفاتر، بل القدرة على إغلاقها.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد