خبير اقتصادي يحذر: الدولار قد يصل إلى 180 ليرة مع تفاقم أزمة التعويم واكتناز الأموال


هذا الخبر بعنوان "التعويم واكتناز الأموال.. خبير يحذّر من ارتفاع الدولار إلى 180 ليرة!" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد الاقتصاد السوري مرحلة حرجة تتداخل فيها الأزمات الهيكلية العميقة مع تعقيدات إدارة السياسة النقدية، وفقاً للخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي. وفي ظل الانخفاض المستمر في قيمة الليرة السورية أمام الدولار الأمريكي والضغوط التضخمية المتزايدة، يواجه المشهد الاقتصادي تناقضات معقدة تتطلب تشخيصاً علمياً دقيقاً وحلولاً شاملة تدعم التعافي والنمو.
“التعويم الموجه” بلا أدوات تدخل
يرى قوشجي أن تطبيق نظام “التعويم الموجه” لأسعار الصرف يتطلب بالضرورة امتلاك السلطة النقدية لأدوات تدخل فعالة في الأسواق، أهمها الاحتياطيات الكافية من العملات الأجنبية لدى البنك المركزي ورصيد لدى المصارف التجارية. ومع انخفاض هذه الاحتياطيات وتدني مستويات سيولة العملات الأجنبية في القطاع المصرفي، يتحول “التعويم الموجه” إلى تعويم حر غير منضبط، حيث تخضع أسعار الصرف لتقلبات العرض والطلب في الأسواق الموازية، مما يعيق وضع سياسة نقدية واضحة ومستقرة.
حلقة الاكتناز وتداعياتها
أشار قوشجي إلى أن السياسات التي تم اعتمادها لكبح التضخم والمضاربة، مثل تقييد السيولة النقدية بالليرة السورية، أنتجت آثاراً جانبية سلبية على الثقة والجهاز المصرفي. فقد أدى ذلك إلى انكماش الوساطة المالية وإعاقة انسيابية السحوبات والعمليات التجارية، مما أثر سلباً على قدرة البنوك على أداء دورها التنموي والائتماني. كما اتسعت ظاهرة اكتناز الأموال خارج النظام المصرفي، حيث امتنع المتعاملون عن إيداع أموالهم بالليرة أو العملات الأجنبية، مما أدى إلى بروز اقتصاد نقدي موازٍ وحرمان الجهاز المصرفي من الودائع اللازمة لدعم الاستثمار والإنتاج.
الإنفاق العام وسعر الصرف
في الظروف الاقتصادية المستقرة، يُعد الإنفاق الاستثماري أو الحكومي محركاً للنمو. لكن في الوضع الراهن، تؤدي الفجوة بين الإنفاق وغياب القنوات المصرفية الجاذبة إلى علاقة عكسية حادة بين أي تحسن اقتصادي وسعر الصرف. فالحكومي يتسرب مباشرة إلى الأسواق دون المرور عبر دورة ادخارية مصرفية متكاملة. وفي غياب أوعية ادخارية جاذبة، يتجه المتلقون لهذه السيولة إلى التحوط عبر شراء القطع الأجنبي، مما يحول الإنفاق الحكومي إلى ضغط إضافي على سعر الصرف.
مؤشرات الانهيار الهيكلي وتحذيرات مستقبلية
يرى قوشجي أنه في ظل استمرار سياسات تقييد السيولة وغياب الاحتياطي الأجنبي الكافي للتدخل، يعكس واقع التداولات الفعلية في الأسواق الموازية حيث يلامس سعر الصرف اليوم عتبة 142 ليرة سورية مقابل الدولار الأمريكي. وهذا يدل على عدم قدرة البنك المركزي على تفعيل نظام “التعويم الموجه”، مما يعد مؤشراً خطيراً على تسارع تآكل القوة الشرائية وانتقال التضخم الفوري إلى السلع والأسواق. وحذر من أنه ما لم يتم تدارك هذا الخلل عبر إصلاحات نقدية ومصرفية حقيقية تعيد الثقة للقطاع المالي وتوقف حلقة الاكتناز والانكماش الاقتصادي، فإن سعر الصرف سيتجه نحو مستويات حرجة تتراوح بين 170 إلى 180 ليرة سورية للدولار الواحد، محولةً أي ضخ مالي أو إنفاق حكومي مقبل إلى موجة تضخمية مفرغة تزيد من تعمق الركود الاقتصادي.
رؤية للإصلاح الهيكلي
لإعادة ضبط الدورة النقدية وتحفيز بيئة الأعمال، تبرز الحاجة إلى تبني رؤية متكاملة ترتكز على عدة ركائز. منها إعادة الثقة للجهاز المصرفي وتطوير سوق المال، وتخفيف القيود على السحب والإيداع تدريجياً لاستعادة تدفق الأموال إلى الحسابات المصرفية الرسمية. إضافة إلى ضرورة تفعيل سوق دمشق للأوراق المالية عبر إلزام الشركات المساهمة بالإدراج لتعزيز الإفصاح والشفافية وتوفير قنوات استثمارية جديدة، وإدارة الفائدة بكفاءة بضبط أسعار الفائدة بما يتناسب مع التضخم لتشجيع التمويل الإنتاجي.
ونوه قوشجي بأهمية إصلاح التشريعات والمنظومة الضريبية، عبر تحديث قوانين الاستثمار ومراجعة القوانين الحالية وتبسيط التراخيص عبر النافذة الواحدة لتشجيع جذب رؤوس الأموال، وإصلاح المنظومة الضريبية لتخفيف الأعباء عن القطاعات الإنتاجية والتجارية، والانتقال من منطق الجباية إلى منطق التحفيز والنمو.
وختم قوشجي بالقول: إن حماية القوة الشرائية وتحقيق استقرار سعر الصرف لا ينفصلان عن إصلاح هيكلي شامل يجمع بين مرونة السياسة النقدية، واستعادة الثقة بالجهاز المصرفي، وتحديث البيئة التشريعية والضريبية. فقط عبر التحرير المالي المتزن وتحفيز التنافسية الاستثمارية، يمكن إعادة ضخ السيولة في شرايين الاقتصاد الوطني وتحقيق التعافي المستدام.

اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد