عام على الهدنة في غزة: الصحفي صالح الجعفراوي شهيداً والمدينة لم تخرج من أتون الحرب


هذا الخبر بعنوان "صالح الجعفراوي.. عام على الهدنة وغزة لم تخرج من الحرب" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد عام على سريان اتفاق وقف إطلاق النار، لا تزال مدينة غزة تعيش تداعيات الحرب، وشهدت استشهاد الصحفي الفلسطيني صالح الجعفراوي في 12 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بعد يومين فقط من بدء الهدنة. لم يتجاوز الجعفراوي، الذي كان يبلغ من العمر 28 عاماً، الحرب متنقلاً بين الأحياء المدمرة ومراكز النزوح لتوثيق آثار الغارات الإسرائيلية. نجا من القصف المستمر لكنه لقي حتفه خلال مواجهات بين عناصر أمن تابعة لحركة حماس ومجموعات فلسطينية مسلحة، وفقاً للجنة حماية الصحفيين. أفاد والده بأن مسلحين أطلقوا النار عليه أثناء تصويره الدمار في حي الصبرة، بينما أشارت تقارير إلى دعم إسرائيلي لمجموعات مسلحة في مواجهة حماس. ومع ذلك، لم يتم إثبات مسؤولية إسرائيل المباشرة عن استشهاده بشكل مستقل.
إن السياق الأوسع الذي وقعت فيه حادثة استشهاد صالح الجعفراوي لا يمكن تجاهله. فغزة لم تستعد أمنها بالكامل بعد، والحرب التي بدأت في تشرين الأول/أكتوبر 2023 خلفت عشرات الآلاف من الشهداء، وأحياء مدمرة، وسكاناً نازحين. كما أدت إلى إضعاف المؤسسات والخدمات الأساسية، وزادت من اضطراب القطاع بتداخل آثار الاحتلال والحصار والصراع الداخلي على السلطة والسلاح. وقد أضاف ظهور مجموعات مسلحة محلية، بعضها متهم بالتعاون مع إسرائيل، تحدياً جديداً لحياة الفلسطينيين.
لا يقتصر البحث في استشهاد صالح على هوية القاتل المباشر، بل يمتد ليشمل المسؤولية السياسية الأوسع المرتبطة بظروف القطاع خلال الحرب وما بعدها. وهذا لا يعفي الفصائل الفلسطينية المسلحة من مسؤولياتها، ولا يبرر استخدام السلاح ضد المدنيين والصحفيين. بل يؤكد ضرورة مساءلة جميع الأطراف بعيداً عن اختزال القضية في روايات متعارضة.
كان صالح الجعفراوي واحداً من الصحفيين الفلسطينيين الذين حملوا على عاتقهم مهمة نقل واقع الحرب إلى العالم في ظروف استثنائية. فقد أصبح العمل الصحفي في غزة أكثر خطورة بسبب الغارات الإسرائيلية، وتعطل وسائل الاتصال، وصعوبة الحصول على الحماية والمعدات، ومنع الصحفيين الأجانب من الدخول. وثقت لجنة حماية الصحفيين مقتل 189 صحفياً فلسطينياً في غزة بنيران إسرائيلية منذ بداية الحرب، وهو رقم يعكس حجم الخسارة الإعلامية والبشرية.
لم تكن حادثة صالح الأولى من نوعها، فقد سبقتها استشهادات لصحفيين مثل شيرين أبو عاقلة في أيار/مايو 2022، ومصور وكالة رويترز عصام عبد الله في تشرين الأول/أكتوبر 2023. تختلف ظروف هذه الحوادث، لكنها تطرح سؤالاً جوهرياً حول ضمان نقل الوقائع من مناطق النزاع في ظل تعرض الصحفيين للخطر وغياب آليات الحماية والإنصاف. إنها مسألة تتعلق بحق المجتمعات في الوصول إلى المعلومات.
وبعد عام على وقف إطلاق النار، ما زال السؤال قائماً. تجاوز عدد الشهداء الفلسطينيين 74 ألفاً، فيما أفادت تقارير بسقوط أكثر من 1400 قتيل فلسطيني منذ بدء الهدنة. وتستمر الخلافات حول إعادة الإعمار، والانسحاب الإسرائيلي، ومستقبل حماس، وإدارة القطاع، بينما يعيش مئات الآلاف من النازحين في ظروف صعبة.
تتمسك إسرائيل بوقف عملياتها العسكرية بنزع سلاح حماس، بينما تربط الحركة ذلك بانسحاب القوات الإسرائيلية ووقف الهجمات. لكن هذه الخلافات لا تلغي الالتزامات بحماية المدنيين، ولا تجعل استمرار سقوط الضحايا أمراً طبيعياً. اتفاق تشرين الأول 2025 نجح في وقف العمليات العسكرية الكبرى وتبادل الأسرى، لكنه لم يؤسس لمرحلة مستقرة في غزة، فالهدنة التي تفتقر إلى ترتيبات سياسية وأمنية واضحة وضمانات لحماية السكان تظل عرضة للتآكل.
في اليوم التالي لاستشهاد صالح، عاد شقيقه ناجي إلى غزة بعد الإفراج عنه من السجون الإسرائيلية. كانت عودته لحظة مؤثرة للعائلة، لكنها جاءت بعد فقدان الابن الذي وثق معاناة الآخرين. اختصرت هذه المصادفة القاسية جانباً من معاناة عائلات فلسطينية كثيرة، حيث تأتي العودة المنتظرة دون عودة الغائبين، ويفتح الأمل دون محو الخسائر.
بعد عام، لم تعد قضية صالح الجعفراوي مجرد حادثة استشهاد، بل أصبحت تطرح سؤالاً عن مستقبل قطاع ما زال يعيش نتائج الحرب. فما دام الفلسطينيون تحت خطر الاستهداف والنزوح، وتظل الحماية والمحاسبة معلقتين على اتفاقات لم تُستكمل، فإن انتهاء العمليات العسكرية الكبرى لن يعني نهاية الحرب. المعيار الحقيقي لأي تسوية هو ما يتغير فعلاً في حياة الناجين، وليس فقط ما تعلنه الأطراف عن وقف القتال.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة