سياسة

مؤتمر الولاء والبراء في القرداحة: تكريس السلطة العائلية بعد مجزرة تدمر

zamanalwsl١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:١٦ ص1 مشاهدة
مؤتمر الولاء والبراء في القرداحة: تكريس السلطة العائلية بعد مجزرة تدمر

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بعد مجزرة تدمر: مؤتمر الولاء والبراء في القرداحة" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في أعقاب مجزرة سجن تدمر التي وقعت في ثمانينيات القرن الماضي، استضافت مدينة القرداحة بمحافظة اللاذقية مجلس وملتقى عشائر سوريا العام. عُقد هذا الملتقى برعاية جمعية المرتضى، التي كانت آنذاك تمثل أحد الأذرع الطائفية غير الرسمية للنظام السوري. وُجهت الدعوات لشيوخ العشائر العربية والكردية، وممثلي أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية وبعض الأحزاب الكردية، مع استثناء كل من عارض انقلاب الثامن من آذار أو الحركة التصحيحية. شهد المؤتمر حضورًا متنوعًا ضم رجال دين ورؤساء طوائف، إلى جانب أعضاء في القيادة القطرية والقومية لحزب البعث، منهم زهير مشارقة، بالإضافة إلى عدد من الوزراء والمسؤولين الأمنيين. أقيمت الفعاليات في خيام تقليدية، أراد المنظمون منها إبراز الأصالة والتراث، لكنها حملت في طياتها طابعًا سياسيًا واضحًا يهدف إلى تكريس الولاء المطلق للنظام.

خلال المؤتمر، تم تنصيب جميل الأسد، شقيق الرئيس حافظ الأسد، رئيسًا عامًا لعشائر سوريا، بما فيها العشائر العربية والكردية. كانت هذه الخطوة رمزية تهدف إلى ترسيخ الزعامة العائلية والطائفية. أبرز ما طُبع في الذاكرة كان القسم الجماعي الذي أداه الحضور، والذي نص على: "أقسم بالله العلي العظيم أن أكون وفيًا للأمين حافظ الأسد، وللقائد رفعت الأسد، وللأب الروحي الأستاذ جميل الأسد، وأن أكون علويًا علويًا علويًا". وصف البعض هذا القسم بطقوس الطاعة في عصور الاستبداد، وشكل إعلانًا عن مرحلة جديدة من الهيمنة السياسية والأمنية، سبقت سلسلة من المجازر والانتهاكات في محافظات سورية عدة، منها حماة، حلب، إدلب، دمشق وريفها، اللاذقية، طرطوس، دير الزور، الرقة، والحسكة.

دور جمعية المرتضى: برزت جمعية الإمام المرتضى كلاعب خفي وفاعل في المشهد السوري آنذاك، وتحولت إلى جهاز أمني رديف، يلعب دورًا موازيًا لسرايا الدفاع بقيادة رفعت الأسد. أسست الجمعية حواجز أمنية خاصة بها في المدن، وشاركت فعليًا في عمليات الاعتقال والتصفية، لا سيما أثناء مجزرة حماة، كما أنشأت سجونًا ومعتقلات سرية خاضعة لإدارتها. يُعتقد أن الجمعية تلقت دعمًا لوجستيًا وتدريبًا من جهات إقليمية، أبرزها إيران، في إطار مشروع يهدف إلى خلق منظومة دينية واجتماعية متماهية مع النظام، تستهدف القبائل والعشائر لإخضاعها واحتوائها داخل بنية السلطة. أصبح الانتساب إلى الجمعية شرطًا ضمنيًا للبقاء في كثير من المناطق، حيث كان الرفض أو التردد يعني الإقصاء أو الاعتقال، وغالبًا ما يؤدي إلى الإعدام، كما حدث مع عدد من شيوخ العشائر الذين لم يبدوا ولاءً كافيًا. اتُّهمت الجمعية أيضًا بإدارة أنشطة غير قانونية مثل القمار والدعارة تحت غطاء رسمي، حيث تحولت بعض مقراتها إلى أماكن محمية من الملاحقة الأمنية.

من المرتضى إلى البستان ثم الدفاع الوطني: بعد حلّ جمعية المرتضى لاحقًا، انتقلت المهام والوظائف نفسها إلى جمعية البستان التي أسسها رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد. شهدت الجمعية الجديدة إعادة إنتاج لنفس الأدوار التي كانت تقوم بها جمعية المرتضى، بما في ذلك عمليات التصفية، التطهير العرقي، وتهريب السلاح والمخدرات. ثم ظهرت لاحقًا ميليشيا الدفاع الوطني التي تم دمجها جزئيًا داخل أجهزة الدولة، لكنها بقيت في جوهرها ميليشيا غير نظامية، تعمل كذراع قمعية للنظام.

العلاقات مع بعض القوى الكردية: أثار ارتباط بعض الأحزاب الكردية، لا سيما تلك التي تبنّت خطابًا شعوبيًا أو انفصاليًا، علامات استفهام حول علاقاتها التاريخية مع النظام. إذ نشأ عدد من قياداتها ضمن الفضاء السياسي الذي أسسه جميل الأسد، والذي اعتُبر بمثابة الأب الروحي لعدد من الشخصيات الكردية البارزة لاحقًا، ومنهم عبد الله أوجلان وصالح مسلم. وقد تبنّى هؤلاء خطابًا يلتقي في بعض محاوره مع مصالح النظام، تحت شعار الغاية تبرر الوسيلة. يكشف هذا المشهد عن مدى تغلغل النظام السوري في البُنى القبلية والطائفية والاجتماعية خلال الثمانينيات، مستخدمًا أدوات ظاهرها تقليدي وموروث، لكنها كانت في حقيقتها وسائل لفرض الولاء السياسي والطائفي، وتكريس مركزية السلطة بطرق ناعمة حينًا، ودموية حينًا آخر. لقد كان مؤتمر القرداحة لحظة مفصلية في تثبيت الولاء والبراء كمنهج سياسي، تجلّت لاحقًا.

شارك الخبر: