لماذا مساءلة السلطة ضرورة لبناء دولة سوريا الجديدة؟


هذا الخبر بعنوان "لماذا يجب أن نسائل السلطة؟" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بعد سقوط نظام الأسد، دخلت سوريا مرحلة جديدة تتسم بالتقاطع بين الأمل والهشاشة، والحرية والقلق، وإرادة البناء وثقل الإرث. في هذا السياق، يصبح السؤال عن العلاقة بين الدولة والمجتمع جوهرياً، مما يستدعي نقاش فكرة مساءلة السلطة. لا يُقصد بالمساءلة الصراع مع السلطة أو التشكيك في شرعيتها، بل إقامة علاقة ناضجة بين سلطة مسؤولة وكفؤة، ومجتمع يساهم في نجاحها عبر الرقابة والمطالبة بالتصحيح.
عانى السوريون لعقود من تهمة التخريب عند أي صوت ناقد. بعد انتصار ثورتهم، يؤكدون حقهم في المساءلة كفعل صيانة للسلطة، وليس تخريباً. الدولة كيان جامع باقٍ، بينما السلطة إدارة مرحلية قابلة للتغيير. الدولة هي القانون والمؤسسة والسيادة والكرامة والذاكرة الجمعية، أما السلطة فهي أمانة مؤقتة، ومن يحكم مسؤول ومحاسب.
لماذا يجب مساءلة السلطة؟ أولاً، لأنها حق للشعوب، حتى من قبل المستبدين الذين يقمعون من يسائلهم. ثانياً، المرحلة الانتقالية زمن هش تتشابك فيه قضايا الأمن والاقتصاد والانقسام والتدخل الخارجي والسلاح خارج إطار الدولة. هذه الإكراهات لا تبرر الصمت، والحذر من التخريب لا يجب أن يتحول إلى كمّامة. التدرج ضروري، لكن لا يجوز تعطيل الحق في السؤال. الأمن لا يعني غياب الصوت، ولا يُقايض بالحريات، والاستقرار لا يعني غياب المحاسبة.
الأخطاء الصغيرة في التحولات الكبرى تتحول إلى بنى. القرار الخاطئ اليوم قد يصبح سياسة غداً، والمؤسسة الهشة قد تتحول إلى إقطاعية نفوذ، والفساد المستتر قد يصبح نظاماً مالياً وإدارياً متجذراً. المساءلة تصحيح مبكر ووقائي. من يسأل في الوقت المناسب يمنع الكارثة، ومن يصمت حتى تتراكم الأخطاء يجد نفسه أمام انفجار لا يمكن ضبطه.
نسائل السلطة لأن الدولة ملك لنا، لا طمعاً بالسلطة أو تقاسم مكاسبها. نحرص عليها كما يحرص صاحب البيت على بيته. السلطة التي لا تُساءل تصاب بالترهل، والمؤسسة التي لا تُراقب تتحول إلى مركز نفوذ مغلق. هنا يبرز دور الصحافة الحرة، ومنظمات المجتمع المدني، والقضاء المستقل، وشفافية المؤشرات، كصمامات أمان تمنع الدولة من الانحراف عن واجباتها.
المساءلة مشروطة بضوابط وطنية: السلمية، العلنية، احترام القانون، والنهج المسؤول. هذه المعايير تفرّق بين نقد السياسات والتربص بالدولة. لا ينتقص من موقف المعارض أن يعترف بالإنجاز، ويساهم في اقتراح البدائل، ويرفض التحريض، ويتراجع خطوة عندما يتهدد الوطن خطر التفتيت. المساءلة الوطنية لا تبيع الوطن ولا تفتح الأبواب للعابثين.
السلطة التي ترفض المساءلة تهدر حقها في مساندة شعبها ونخبها. مقاومة السلطة للسؤال تدل على هشاشتها لا قوتها. غلق باب المساءلة يكشف ضعف السلطة وخوفها من الحقيقة، وهذا الخوف أخطر ما يهددها في مرحلة انتقالية تعصف بها التحديات. غياب الإجابات عن الهواجس يفسح المجال للقلق والفوضى.
في سوريا الجديدة، كسب الشعب صوته وكرامته بعد أن أسقط السلطة المطلقة. يطمح اليوم إلى سلطة تحمي وتبني، والمجتمع شريك يراقب ويسائل ويحاسب. السلطة المطلقة تتآكل دعائم بقائها ببطء. المساءلة ليست ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة استراتيجية، فهي الفرق بين دولة تتعلم من أخطائها وأخرى تكررها حتى تنهار.
الصمت عن الأخطاء لا يحمي الدولة، بل يخفي خطراً كامناً. قدرة السلطة على الاستمرار تظهر في الاستماع للنقد والتصحيح. حين يجد الشعب قناة قانونية متاحة للسؤال والاقتراح دون يأس من الاستجابة، لا يلجأ إلى الغضب والعنف. المساءلة تسحب الذرائع من المتربصين والمتطرفين والفاسدين. المجتمع المفتوح، كما يقول كارل بوبر، يقبل النقد ويصحح مساره. السلطة أمانة من الشعب، ومن حقه مساءلة من يحكم، كما يقول جون لوك.
في الختام، في سوريا الجديدة، المجتمع شريك يدعم السلطة ويصونها، لا يناكفها أو ينازعها. الولاء الحقيقي أن نمنع السلطة من أن تخطئ، ونحمي الدولة من الهشاشة، لتكون سوريا كما نحلم. المصدر: تلفزيون سوريا.
سوريا محلي
منوعات
سياسة
اقتصاد