إيران تستغل الحوثيين لتهديد أمن السعودية والملاحة الدولية: استراتيجية الضغط لتحقيق مكاسب


هذا الخبر بعنوان "كيف توظف إيران “الحوثيين” لتهديد أمن السعودية والملاحة خدمة لمصالحها؟" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٦ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد الحرب في اليمن في جوهرها معركة إيرانية تُدار بامتياز خارج حدودها الجغرافية، حيث تستخدم طهران جماعة الحوثي كذراع تنفيذي لخدمة مشروعها الإقليمي العدائي. ويتجدد هذا الصراع المشتعل لتعيد إيران توظيفه كأداة ضغط استراتيجية وابتزازية ضد المجتمع الدولي، بهدف انتزاع مكاسب سياسية واقتصادية تضمن لها البقاء وتحفظ نفوذها الممتد في المنطقة.
لماذا يستهدف الحوثيون المطارات السعودية؟
تعود جذور التصعيد الميداني الراهن إلى مطلع سبتمبر 2026. ففي 10 و11 من الشهر نفسه، أفادت تقارير لوكالات دولية بأن الحوثيين سيطروا على مدينة المخا ومناطق قرب باب المندب، ووصلوا إلى جزيرة ميون وذوباب، وذلك بعد هجوم واسع مكّنهم من السيطرة على مناطق في الساحل الغربي ومحيط باب المندب. إنهاء الانقلاب الحوثي وتفكيك بنية هذه الجماعة العسكرية والسياسية لا يعني فقط استعادة الدولة اليمنية، بل هو في جوهره تفكيك مباشر ونهائي للوجود الإيراني ونفوذه الممتد في المنطقة.
وعلى إثر ذلك، أطلقت عملية “فجر اليمن” في 5 تشرين الأول/أكتوبر 2026، بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي، بهدف استعادة مؤسسات الدولة والمواقع الاستراتيجية، بدعم جوي من التحالف بقيادة السعودية. وأعلنت القوات الحكومية اليمنية استعادة مواقع في منطقة باب المندب وذوباب ضمن العملية. لكن في المقابل، جاءت ردة الفعل الحوثية عبر استهداف مكثف ومباشر للمطارات والمنشآت المدنية والحيوية داخل العمق السعودي، كمطار الملك خالد بالرياض ومطار أبها، وليس استهداف أماكن عسكرية. وتحدث المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، عن تنفيذ “أربع عمليات عسكرية نوعية استهدفت مطار الملك خالد بالرياض ومحطة شقير الغازية التابعة لشركة أرامكو ومعمل أرامكو لإنتاج النفط بالمنطقة الشرقية، ومطار الملك فهد بالدمام، وعمليات أخرى”.
أثار الهجوم الحوثي على مطار الملك خالد الدولي في الرياض، الذي أسفر عن وفاة 12 شخصاً وإصابة 309 آخرين، موجة واسعة من الإدانات الدولية والإقليمية. ويرى الباحث في الشأن الإيراني إسلام المنسي، أن “التصعيد الحوثي الأخير واستهدافه للمطارات السعودية، فضلاً عن المحاولات الإجرامية الفاشلة لاستهداف مكة المكرمة والمدينة المنورة، يأتي في سياق الهزائم المتتالية والعجز الميداني الذي تعاني منه الميليشيات في مواجهة الجيش الوطني اليمني المدعوم من التحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية”.
من هرمز إلى باب المندب.. انحسار النفوذ الإيراني واحتمالات انخراط سوريا في اليمن
ويلفت المنسي إلى أنه “عوضاً عن المواجهة الميدانية، تعمد الجماعة الحوثية إلى استهداف البنى التحتية المدنية داخل المملكة ومناطق اليمن، بهدف رفع الكلفة السياسية والاقتصادية على المملكة، والضغط عليها لوقف العمليات العسكرية التي تخوضها الشرعية اليمنية، والتي باتت تهدد بانتزاع مناطق استراتيجية حيوية من قبضة الحوثيين، خاصة في الساحل الغربي”.
“الضغط على السعودية وإرباكها”
من جانبه، يرى المحلل السياسي المختص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي، أن “الهدف الأساسي للهجمات الحوثية ضد المنشآت المدنية وتحديداً المطارات هو الضغط على السعودية لوقف عملياتها العسكرية ودعمها للقوات الحكومية اليمنية وإرباك الحياة الاقتصادية وحركة الطيران وإلحاق أضرار بصورة المملكة باعتبارها بيئة آمنة للاستثمار والأعمال”، في ظل استهداف المنشآت الحيوية مثل مصافي وعصب إنتاج شركة أرامكو.
ويرى الباحث اليمني عادل الأحمدي، رئيس مركز “نشوان للدراسات”، أن “الأحداث الراهنة تؤكد على أن السماح لإيران بالمضي قدماً في برنامجها النووي يُمثل خطراً جسيماً ومضاعفاً على أمن واستقرار المنطقة بأكملها”. ويردف الأحمدي: “فحتى إيران وهي ترزح تحت وطأة الضغوط الأميركية والغربية الشديدة، تتبنى طهران استراتيجية مدمرة تقوم على منطق ‘عليّ وعلى أعدائي’، محاولة جعل تكلفة أي تراجع أو سقوط لها باهظة للغاية على دول الجوار. ولتحقيق هذه الغاية، تلجأ إلى أساليب عدائية تستهدف المدنيين الأبرياء، مثل الاعتداءات السافرة المتكررة على المنشآت الحيوية في المملكة العربية السعودية- كاستهداف مطار الملك خالد الدولي، والذي أسفر عن استشهاد طيارين ووفاة معتمرين من جنسيات مختلفة”.
التوظيف الإيراني للجماعة الحوثية
يؤكد المراقبون أن التصعيد الأخير والعمليات العسكرية الحوثية لا تعدو كونها أداة تنفيذية في استراتيجية الهيمنة الإقليمية التي تقودها إيران، حيث توظف طهران جماعة الحوثي لتحقيق مصالحها الجيوسياسية واستخدامها ورقة ضغط في صراعاتها الواسعة بالمنطقة، بغض النظر عن كلفة ذلك على استقرار اليمن وسلامة شعبه.
ويقول الهتيمي في هذا السياق: “إن ما يحدث في اليمن من الصراع الداخلي، ومن الهجوم المتكرر على السعودية والممرات المائية الدولية، يأتي في إطار توظيف إيران للجماعات المسلحة والاستفادة منها، فلا شك أن إيران تنظر إلى الجماعات المسلحة الموالية لها باعتبارها أحد أهم مكونات قوتها الإقليمية وأداة لتعويض الفجوة بين طموحاتها في المنطقة وقدرتها العسكرية الخاصة بها، وإلا فلماذا كان فيلق القدس الذي يتركز دوره بالأساس على استقطاب الموالين للنظام الإيراني؟!”.
وأضاف قائلاً: “تحرص إيران على أن لا تخوض كل المعارك بنفسها بشكل مباشر، إذ تعمل على توزيع الأدوار على الموالين وتفعل ما يسمى بحرب الوكالة من خلال تحريك شبكة الموالين الذين يستطيعون فتح جبهات متعددة وتهديد مصالح الخصوم ورفع كلفة أي مواجهة معها، ما يجعل من هؤلاء الوكلاء أو الأذرع أوراق ضغط سياسية وعسكرية تستخدمها طهران وقتما تريد”.
ويلفت الهتيمي إلى أنه “في المقابل، ثمة نقطة مهمة يجب إدراكها، وهي أن أذرع طهران، وعلى الرغم من أن تحركاتهم تكون في أغلبها وفق الأجندة الإيرانية، إلا أن إيران تمنح أحياناً بعض الحرية في الحركة العملياتية وفق مصالحها”.
من ناحية أخرى، يتجاوز التوظيف الإيراني للجماعة الحوثية حدود الصراع المحلي إلى كونه ركيزة أساسية في استراتيجية طهران للسيطرة والنفوذ، إذ تنظر إيران إلى أذرعها المسلحة كخط دفاع أول وأداة لفرض معادلات الردع بالوكالة، حتى وإن كان على حساب شعوب المنطقة وحياتهم ومستقبلهم. ومن هذا المنطلق، يرى المنسي: “تُشكّل أي خسارة محتملة لنفوذ إيران عبر الجماعة الحوثية ضربة قاصمة لمشروعها الإقليمي، حيث تعني انكماش استراتيجيتها التوسعية وانحسار دورها داخل حدودها الوطنية”.
ووفق المنسي، “تكتسب هذه الخسارة أهمية مضاعفة بالنظر إلى تراجع حضورها في سوريا، وضعف نفوذها في لبنان إثر تراجع قدرات حزب الله، فضلاً عن المساعي العراقية المتواصلة لحصر السلاح بيد الدولة وتفكيك الفصائل المسلحة الموالية لإيران”. وبالتالي، فإن تداعي الأذرع الإيرانية بالمنطقة لا ينهي الطموحات التوسعية الخارجية لطهران فحسب، بل سيكشف الداخل الإيراني أمام أزمة مشروعية حادة، إذ سيرى الشارع كيف بُدّدت مليارات الدولارات على مشاريع نفوذ خارجية وميليشيات أثبتت فشلها بدلاً من تنمية الداخل، مما يجرّد النظام من حاضنته الشعبية ويضعه أمام تهديدات وجودية قد تقود إلى سقوطه، وفق ما يقوله المنسي.
احتمالات التدخل العسكري الأميركي
في ظل استمرار اشتعال الصراع في اليمن وتواصل الهجمات التي تستهدف الأراضي السعودية والبنية التحتية الحيوية، يظل احتمال التدخل العسكري الأميركي المباشر قائماً ووارداً بقوة في الحسابات الاستراتيجية للمنطقة، إذ ترى واشنطن في التصعيد الحوثي تهديداً صريحاً لحرية الملاحة الدولية واستقرار أمن الطاقة العالمي. ويهدف هذا التدخل الأميركي- في حال حدوثه، بالأساس إلى ردع إيران وكبح طموحاتها الإقليمية العدائية من خلال تجريد ذراعها الحوثي من القدرات العسكرية النوعية، وهو ما من شأنه أن يعجل بإنهاء الحرب الممتدة، ويحجم النفوذ الإيراني في اليمن والمنطقة عبر حسم المعادلة الميدانية وفرض التهدئة بالقوة. وقد قال الرئيس الأميركي دونالد ترامب، إن “الحوثيين” الذين يسيطرون على مساحات واسعة من اليمن “يتصرفون بشكل سيئ للغاية”. وفي الوقت الراهن تدرس الإدارة الأميركية برئاسة دونالد ترامب خيارات عسكرية واسعة ضد إيران تشمل ضربات للبنية التحتية للطاقة ومواقع نووية.
وتعقيباً على ذلك، يرى الباحث اليمني عادل الأحمدي: “سواء أفضت التطورات الميدانية الراهنة في اليمن إلى تدخل أميركي مباشر أم لا، فإن المؤشرات تؤكد وجود استعدادات عسكرية واستراتيجية غير مسبوقة هذه المرة. وتتجلى هذه الاستعدادات في عملية ‘فجر اليمن’ التي أعلن عنها رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد محمد العليمي، حيث تُقام هذه العملية بدعم كامل من التحالف العربي لدعم الشرعية بقيادة المملكة العربية السعودية، وبمساعدة لوجستية من الولايات المتحدة الأميركية”.
من جانبه لا يستبعد المحلل السياسي المختص في الشأن الإيراني أسامة الهتيمي أي سيناريو إزاء التطورات المتلاحقة وطبيعة الصراع الدائر في المنطقة وتفاعلاته التي لا تتوقف، وعليه، فإن التدخل الأميركي محتمل، خصوصاً إذا استمرت الهجمات على المطارات والمنشآت الحيوية السعودية، بما يهدد المصالح الأميركية أو حركة الملاحة الدولية. غير أن شكل التدخل الأميركي ليس شرطاً أن يكون برياً، فقد يكون من خلال توجيه ضربات جوية وصاروخية إلى منصات إطلاق الصواريخ والمسيّرات ومخازن الأسلحة ومراكز القيادة، أو تقديم دعم استخباراتي ودفاعي إضافي للسعودية، أو الجمع بين هذه الخيارات. خاصة أن ما يحدث في اليمن ليس بمنأى عن الملف الأكبر، حيث الحرب الدائرة مع إيران، والتي يسعى البيت الأبيض إلى إنهائها أو تجميدها لاعتبارات كثيرة، وفق تقدير الهتيمي. وعليه، فإن إنهاء الانقلاب الحوثي وتفكيك بنية هذه الجماعة العسكرية والسياسية لا يعني فقط استعادة الدولة اليمنية، بل هو في جوهره تفكيك مباشر ونهائي للوجود الإيراني ونفوذه الممتد في المنطقة والخلاص من الأذرع الإيرانية التي تعرقل الاستقرار والأمن بالمنطقة.
سياسة
سوريا محلي
سياسة
سياسة