ثقافة

آخر حراس النول اليدوي في حماة: قصة صمود حرفة عريقة في وجه النسيان

enabbaladi.net١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٤ م2 مشاهدة
آخر حراس النول اليدوي في حماة: قصة صمود حرفة عريقة في وجه النسيان

تنويه

هذا الخبر بعنوان "من حي “الباشورة”.. حكاية آخر حراس النول اليدوي بحماة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في قلب حي "الباشورة" العريق بمدينة حماة، وتحديدًا في شارع "أبي الفداء"، يجلس سامر عبد الفتاح المدني، البالغ من العمر 58 عامًا، وسط مشغله العتيق. تحيط به ألوان الخيوط وصوت النول اليدوي الذي يتردد كنبض يقاوم الاختفاء، بينما تمرر أصابعه الخبيرة بين خيوط القطن السوري والحرير الطبيعي، وكأنه يرمم حكاية مدينة بأكملها. هذه الحكاية بدأت عائلته في نسج تفاصيلها عام 1853، وتخوض اليوم معركة شرسة ضد النسيان.

يستحضر المدني، في حديثه إلى "عنب بلدي"، ملامح الحرفة المتجذرة في هوية حماة، والتي شكلت لقرون عصب الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. تتجلى هذه الصلة في أسماء عائلات حموية عريقة مثل "المنير"، و"الملقي"، و"المسدي"، و"الحايك"، التي لم تكن مجرد ألقاب، بل توثيقًا حيًا لتقسيم العمل والترابط بين السكان ومهنهم.

في الماضي، كانت حماة تغزل لبيوت البدو والحواضر، بينما يتحرك مكوك النول يمنة ويسرة. يرحل المدني بذاكرته إلى العصر الذهبي للمهنة، حين كانت حماة تضم آلاف الأنوال اليدوية، وتلبي ثلاثة مجالات رئيسية: صناعة المناشف الحموية، والمد العربي، وبيوت البدو. ومع تغير نمط الحياة، غابت بيوت البدو تمامًا، وانحسر الإنتاج في المناشف والمد العربي، لتصبح حرفة المناشف اليدوية اليوم أمانة ثقيلة في أيدي عائلتين فقط في المدينة، تمثل عائلة "المدني" إحداهما.

يشرح الحرفي الستيني رحلة ولادة القطعة النسيجية، وهي رحلة تبدأ بخيوط القطن السوري التي تُصبغ أولًا، ثم تمر بمراحل إعداد دقيق على أيدي "المسدي" و"المنير" و"الملقي". وصولًا إلى هندسة ترتيب الخيوط على النول بحسابات معقدة، قبل أن يضع "الحايك" لمساته الأخيرة، محوّلاً الخيوط إلى برانص، ومناشف، وبشاكير، وشراشف حريرية تفيض بالخصوصية التراثية الحموية.

أحداث 1982.. ضربة في خاصرة الحرفة

لم تكن طريق الحفاظ على هذا الإرث ممهدة بالورود، بل حفرت التحولات السياسية والاقتصادية ندوبًا عميقة في جسد المهنة. يروي المدني كيف ساهمت السياسات السابقة واحتجاز التجار للمواد، إلى جانب انقطاع العلاقات بين سوريا والعراق في عهد حكم "البعث"، في خنق الأسواق وتضييق منافذ التصريف الخارجية. لكن الضربة الأقسى في تاريخ المجتمع الحرفي بحماة تجسدت في أحداث عام 1982. وفقًا لشهادة المدني، فقدت المهنة في تلك الحقبة معظم صناعها ومبدعيها، ما ألحق ضررًا بليغًا باستمرارية الحرفة وانتقال معارفها بين الأجيال.

اليوم، يواجه المدني واقعًا لا يقل قسوة، إذ تعاني الورشة من ندرة حادة في الأيدي العاملة، وسط عزوف الشباب عن تعلّم النسيج اليدوي نظرًا لمشقته وضآلة مردوده المادي، بالتوازي مع غياب الحركة السياحية، وانعدام أي رؤية أو دعم من الجهات المعنية بالسياحة والحرف التقليدية.

من حماة إلى بيروت

أمام هذا الإهمال الرسمي، اختارت عائلة "المدني" الاعتماد على الذات لتطوير المنتجات وتسويقها خارج البلاد رغم التكاليف الباهظة، مستعينة ببعض الجمعيات الأهلية في دول أوروبية ساهمت في ترويج بضائعها دون مقابل. وعلى الصعيد الشخصي، يلتزم المدني بموقف مبدئي، رافضًا المشاركة في المعارض الداخلية أو الخارجية التي كانت تُنظّم في عهد النظام السابق، مفضّلًا عدم توظيف حرفته سياسيًا لتلميع صورة النظام. وكبديل مستقل، وبدعم من شخصية بيروتية آمنت بقيمة الحرفة، نجح المدني في إقامة معرض دائم في العاصمة اللبنانية بيروت يحتضن النول الحموي الأصيل، مما أتاح له نافذة تسويقية وثقافية بعيدة عن التجاذبات السياسية.

بأمل يشوبه القلق، يختتم سامر المدني حديثه محذرًا من أن صون النسيج اليدوي في حماة ليس واجبًا عائليًا أو حرفيًا ضيقًا، بل مسؤولية وطنية تتجاوز حدود المشغل، فهو جزء نابض من الذاكرة السورية، وحماية هذه الحرف هي حماية للهوية من الاندثار.

حكاية "أبو شفيق".. نولان يرفضان الصمت

بين خيوط القطن وذكريات زمن مضى، يروي محسن محمد شفيق دبيك، المعروف في حماة باسم "أبو شفيق"، حكاية صمود مهنة النسج اليدوي على الأنوال، الحرفة التي ورثها عن والده ورافقته منذ نعومة أظفاره. بدأ "أبو شفيق" (65 عامًا) مسيرته في هذه المهنة عندما كان طفلًا، يرافق والده إلى دكانه، حيث تعلم كيفية الضغط على دواسات النول ليبدأ مسيرته في حياكة المناشف والشراشف القطنية ومناشف المبرد.

استمر الحرفي الحموي في عمله حتى عام 1983 عندما التحق بالخدمة العسكرية، ليعود عام 1986 إلى النول مجددًا مساندًا لوالده، وتولى مهمة نقل الغزل من حماة إلى حمص من أجل عملية السداية، كما تعلم أسرار حساب النير وضبطه. ومع تبدل الظروف، انتقل لاعتماد حلب في عملية السداية حتى عام 2011. ومع توقف العمل في المحافظتين، استلهم "أبو شفيق" الفكرة وصنع دوارة خاصة به، ليبدأ بتسدية الخيوط بنفسه، متبعًا طريقة تقليدية في غسل الغزل القطني وتبييضه.

جهاز العروس.. طقوس غيّبها الزمن

يتحدث دبيك بحنين عن مكانة هذه الحرفة التي يراها فريدة ولم تتبقَّ إلّا في حماة، مستذكرًا عندما كان "جهاز العروس" لا يخلو من ثلاث قطع أساسية تنتجها الأنوال (البرنص وطقم المناشف وشرشف الحرير)، وهي عادات غابت عن جيل اليوم. يقارن النسّاج السوري بين الماضي والحاضر بمرارة، مشيرًا إلى أن الأسواق قديمًا كانت تشهد حركة بيع ممتازة مع توفر كامل للمواد الأولية، بينما يواجه اليوم شحًا في خيوط القطن، والتي إن وُجدت في السوق السوداء تُباع بأسعار مرتفعة جدًا، في حين يتعذر العثور عليها في معظم الأحيان.

يختتم حديثه بالتأكيد على التراجع الحاد في أعداد الحرفيين، فبعد أن كانت حماة تضم آلاف الأنوال اليدوية في الماضي، وفقًا لـ"أبو شفيق"، تلاشت تلك الحركة ولم يعد يدور في المدينة اليوم سوى نولين اثنين فقط، أحدهما يعود لعائلته "دبيك" والآخر لعائلة "المدني".

خارطة النسيج الحموي.. إرث اقتصادي واجتماعي

يؤكد الباحث في التراث السوري، المهندس مجد حجازي، أن صناعة النسيج في مدينة حماة لم تكن مجرد حرفة يدوية عابرة، بل شكلت ركيزة أساسية للحياة الاقتصادية والاجتماعية، وصناعة هوية ارتبط بها اسم المدينة محليًا وخارجيًا. كانت أحياء حماة القديمة ودكاكينها وبيوت الحرفيين فيها تضج بتاريخيًا بصوت وإيقاع الأنوال الخشبية اليومي. كانت الأنوال تنتشر في مختلف أحياء حماة مع تركز ثقلها في أسواق "الشجرة"، و"الحاضر"، و"المحالبة"، و"المشارقة"، إذ كانت تُنصب داخل الدكاكين وفي أجزاء من المنازل، كما تكاملت مع النسيج صناعات وحرف أخرى ضرورية مثل الغزل والتربيد والصباغة وطباعة الأقمشة.

لم تقتصر الأنوال الحموية على نسج القطن وحده بل عرفت خطوط إنتاج الصوف والحرير، وإن كانت المنسوجات القطنية ومنتجاتها اليومية هي التي تبوأت المكانة الأهم في الإنتاج والتجارة الحموية. استنادًا إلى أرقام توثيقية من "التقويم السنوي لولاية الشام" لعام 1305 هجري، كان هناك أكثر من 500 نول خشبي يعمل عليها 800 عامل، يصنعون سنويًا 30,000 قطعة من عُدَد الحمامات، و36,000 ثوب من البياض، إضافة إلى 10,000 شرشف فراش، بلغت قيمتها الإجمالية نحو 70,000 ليرة ذهبية. تبرهن هذه الأرقام على وجود منظومة اقتصادية وحرفية متكاملة تدور في فلك النسيج.

من التوريث العائلي إلى الاندثار

وصف الباحث التراثي النول الحموي بأنه خشبي بسيط التكوين لكنه يتطلب مهارة عالية في التشغيل. كانت معارف وتقنيات هذه الحرفة تنتقل وراثيًا داخل العائلات من الآباء إلى الأبناء. وبرزت عائلات حموية ارتبطت أسماؤها تاريخيًا بالمهنة مثل "الدبيك" و"المسدي" و"المدني" وغيرهم. إلا أن الحرفة شهدت تراجعًا كبيرًا في عقودها اللاحقة إذ انخفضت أعداد الأنوال تدريجيًا ليتلاشى غالبها ولا يتبقى منها سوى عدد محدود جدًا في الوقت الحالي.

نداء لحماية الذاكرة الحية

ذكر المهندس حجازي أن المنسوجات الحموية تخطت الحدود المحلية لتغذّي أسواقًا إقليمية واسعة، مستندة إلى حركة تبادل نشطة مع مناطق مختلفة في بلاد الشام والأناضول ومصر. واختتم الباحث التراثي حديثه بالتشديد على المسؤولية الثقافية الراهنة. رغم تعذر إعادة مئات الأنوال إلى الخدمة كما في السابق، فإن الجهود يجب أن تنصب اليوم على صون الحرفة بمصطلحاتها، وآليات عملها، وأنماط منسوجاتها، وسير صنّاعها، لتبقى هذه المهنة نابضة في الذاكرة المحلية لمدينة حماة. ودعا إلى حتمية حماية ما تبقى من هذا الإرث الحي وتوثيقه، مؤكدًا أن الاستماتة في الحفاظ عليه لا تنطلق من جدواه الإنتاجية والاقتصادية فحسب، بل لما يحمله النول من أبعاد اجتماعية وجمالية وتقنية فريدة، تستحق أن تُنقل بأمانة إلى الأجيال الجديدة.

شارك الخبر: