هل يتحول الفقر إلى عقوبة بالمزاد العلني؟ نداء للحكومة لحماية الأسر المتعثرة


هذا الخبر بعنوان "هل يُعاقَب الفقر بالمزاد العلني؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تتحدث الأنباء عن إحالة أكثر من ثلاثة آلاف إضبارة لمنازل إلى النيابة العامة، لاستكمال إجراءات البيع بالمزاد العلني، بسبب عجز أصحابها عن سداد الأقساط المصرفية لمدة ستة أشهر، بعد تسريحهم من وظائفهم وفقدانهم مصادر دخلهم. وراء كل إضبارة حكاية إنسان، ووراء كل منزل أسرة، ووراء كل أسرة أطفال وأحلام وذكريات، وربما أبٌ وأمٌّ أفنيا سنوات عمرهما في انتظار اليوم الذي يصبح فيه لهما سقف يأويهما، ويمنحهما شيئاً من الأمان في مواجهة تقلبات الزمن.
إن العجز ليس دائماً تقصيراً، والتأخر في السداد ليس بالضرورة تهرباً من المسؤولية. ثمة فرق كبير بين من يمتنع عن الدفع وهو قادر عليه، ومن يعجز عنه بعدما فقد عمله ومصدر دخله. والعدل يقتضي ألا يُعامل الاثنان بالطريقة نفسها، بل أن يُنظر إلى ظروف كل منهما وأسباب تعثره. حين يصبح المنزل مهدداً بالبيع، لا تكون الخسارة مالية فقط، بل تمتد إلى الشعور بالأمان، وإلى كرامة الإنسان، وإلى مستقبل أسرة بأكملها.
الإنصاف أن نسأل: هل استنفدنا كل الحلول قبل الوصول إلى المزاد العلني؟ وهل مُنح هؤلاء المواطنون فرصة حقيقية لاستعادة قدرتهم على السداد؟ وهل يمكن أن تكون معالجة الأزمة أقل كلفة على الجميع من انتزاع البيوت من أصحابها؟ إننا لا نطالب بإلغاء الحقوق، بل بحمايتها من خلال حلول عادلة. ولا ندعو إلى إسقاط الالتزامات، بل إلى منح أصحابها فرصة للوفاء بها عندما يستعيدون قدرتهم على الدفع. فالمواطن الذي كان يسدد أقساطه حين كان يعمل، ثم فقد عمله قهراً، لا ينبغي أن يُترك وحيداً في مواجهة مصير قد ينتهي بخسارة منزله.
ومن هنا، نتوجه إلى الحكومة بنداء مسؤول، لا يستند إلى العاطفة وحدها، بل إلى مقتضيات العدالة الاجتماعية وحسن إدارة الأزمات. نطالبها بالتريث في إجراءات البيع بالمزاد العلني بحق المتعثرين الذين فقدوا مصادر دخلهم، ودراسة أوضاعهم المعيشية والوظيفية ، والعمل على إيجاد حلول تتيح لهم الاحتفاظ بمنازلهم. ونطالب بإعادة جدولة الأقساط بما يتناسب مع الظروف الجديدة، ومنح فترات سماح للمستحقين الذين ثبت عجزهم عن السداد، والبحث في توفير فرص عمل لهم، أو إدماج القادرين منهم في برامج تشغيل تساعدهم على استعادة دخلهم والوفاء بالتزاماتهم. كما نأمل أن تُدرس إمكانية وقف إجراءات البيع مؤقتاً إلى حين الانتهاء من دراسة الحالات المتضررة، ووضع آلية واضحة تميّز بين المتعثر قهراً والممتنع عن السداد رغم قدرته عليه، ضمن الأطر القانونية التي تحفظ حقوق جميع الأطراف.
إن هذه المعالجة ضرورة تقتضيها حماية الاستقرار الأسري والاجتماعي. فالدولة القادرة على تطبيق القانون ينبغي أن تكون قادرة أيضاً على تطبيقه بروح العدالة، وأن تجد في مؤسساتها ما يساعد المواطن على النهوض حين يتعثر، لا ما يجعل تعثره بداية لسقوطه. ولعلنا نذكّر هنا بأن قيمة أي سياسة عامة لا تُقاس فقط بقدرتها على تحصيل المستحقات، بل أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان من أن يتحول ضيق العيش إلى مأساة لا يستطيع الخروج منها. إن بيع منزل مواطن عاجز عن السداد قد يُنهي ملفاً مالياً، لكنه لا يُنهي المشكلة الإنسانية. فماذا سيحل بهذه الأسرة بعد البيع؟ وأين ستذهب؟ وكيف ستدبر شؤونها إذا كانت عاجزة أصلاً عن تأمين احتياجاتها الأساسية؟ وهل يكون الحل في نقلها من العجز عن دفع الأقساط إلى العجز عن تأمين مأوى؟
إننا نريد حلولاً تحفظ الحقوق، لكنها لا تسحق أصحابها. ونريد قانوناً يُطبّق على الجميع، لكن من دون أن تغيب عنه ظروف الناس وأسباب تعثرهم. ونريد دولةً لا تقف مكتوفة الأيدي أمام معاناة مواطنيها، بل تمد يدها إليهم لتساعدهم على استعادة قدرتهم على الاعتماد على أنفسهم. إلى الحكومة: لا تجعلوا المزاد العلني خاتمة حكاية مواطنين فقدوا أعمالهم. اجعلوا أمامهم باباً آخر، باب العمل والمهلة والتسوية العادلة. امنحوهم فرصة ليعملوا، وليعيشوا، وليستعيدوا قدرتهم على السداد. ساعدوهم على الوفاء بالتزاماتهم بدلاً من دفعهم إلى خسارة ما بقي لهم من استقرار. فليس أصعب على الإنسان من أن يفقد عمله، إلا أن يخسر بعد ذلك البيت الذي كان يظنه ملاذه الأخير. وليس أعدل من قانون يحفظ الحقوق، إلا أن تقترن به رحمة تمنع تحوّل العجز إلى عقوبة، والضائقة المعيشية إلى مأساة، والدين المستحق إلى باب يُطرد منه الإنسان من بيته.
ثلاثة آلاف منزل ليست مجرد ثلاثة آلاف ملف. إنها ثلاثة آلاف حكاية تستحق أن تُسمع قبل أن يُطرق باب أصحابها لإخلائها. فلننظر إلى هذه الحكايات بعين الرحمة، ولنمنح أصحابها فرصة عادلة لاستعادة حياتهم. فالأوطان لا تُبنى بتحصيل الديون وحده، بل تُبنى أيضاً بحماية الإنسان حين تضيق به السبل، وبالوقوف إلى جانبه حتى يتمكن من النهوض مجدداً. ولعل أبلغ ما يمكن أن نقوله في هذه القضية: لا تطلبوا من مواطن أن يسدد ما عجز عنه قهراً، قبل أن تمنحوه فرصة ليقف على قدميه من جديد..فالله سبحانه وتعالى قال: “لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا”.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد