ثقافة

آصف وسوف: الشاعر الذي تتجلى أناقته في الروح والكلمة والذاكرة

syriahomenews٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٤٤ م1 مشاهدة
آصف وسوف: الشاعر الذي تتجلى أناقته في الروح والكلمة والذاكرة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "آصف وسوف… شاعر على تخوم الذاكرة والبحر" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

على الطريق المؤدي إلى طرطوس، بالقرب من خط جديد، يقع بيتٌ وادعٌ يمتد أمامه فضاء واسع. هناك، يجلس رجلٌ بهيبة ووقار، يمسك كتاباً أو دفتراً، وكأنه يختلس لحظة من صخب الحياة ليكتب شيئاً من روحه. هذا المشهد، الذي يصعب تجاهله، يصبح جزءاً من ذاكرة الطريق. إنه الشاعر والكاتب والإنسان الخلوق آصف وسوف، الذي تتجاوز أناقته مظهره لتشمل حضوره الإنساني وهيبته الهادئة.

آصف جاري، وأكثر من ذلك. كان حضوره في الأمسيات الشعرية، واستماعي إليه وهو يلقي شعره، مصدر فخرٍ واعتزاز. فالشعر الصادق يمتلك قدرة على تحويل الصمت إلى إصغاء، ومنح الكلمات حياة جديدة في آذان المستمعين. وما يزيد الاعتزاز هو رؤية أثره ممتداً في أسرته المثقفة، أبنائه وبناته، وكأن الثقافة في بيته ليست مجرد رفاهية عابرة، بل جزء من تربية الروح والعقل.

أتذكر حكاية طريفة رواها لي صديقي علي طه، الذي هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية. كان يقول لي كلما التقينا: "كأنني حين أراك أرى زوج خالتي آصف وسوف". لم أكن أعرف سر هذا الشبه، أهو الشعر أم شيء آخر؟ لكنني كنت أسعد بهذه المقارنة، وأعتز بأن يراني صديقي شبيهاً بإنسان يمتلك كل هذا البهاء والأناقة الإنسانية. فبعض الناس يتركون فينا أثراً يتجاوز المعرفة المباشرة، ويحملون لنا شيئاً لا نعرف كيف تسلل إلينا، لكنه يبقى.

من هذه المسافة القريبة، مسافة الجوار والصداقة والإصغاء، أكتب عن آصف وسوف. لا أبدأ من سيرته الأكاديمية أو دواوينه، بل من الرجل الذي عرفته، ومن صورته التي استقرت في ذاكرتي قبل أن أتعمق في تجربته الشعرية. فالشاعر لا تنفصل قصيدته عن الإنسان الذي يحملها، وإن كانت القصيدة وحدها تمنح التجربة مكانتها الأدبية.

في المشهد الشعري السوري، تأتي تجربة آصف وسوف من روافد معرفية متنوعة. فقد درس اللغة الإنجليزية وآدابها في جامعة دمشق، ونال دبلوم التأهيل التربوي، ودرس الحقوق في جامعة تشرين باللاذقية، وتابع اللغة الروسية في جامعة BNTU في مينسك. هذه المسارات فتحت له أبواباً على لغات وثقافات وفكر متنوع، من الأدب الإنجليزي إلى القانون والعدالة، وصولاً إلى الأدب الروسي.

لكن المعرفة وحدها لا تصنع القصيدة. هناك شيء آخر لا تمنحه الشهادات، يتعلق بقدرة الشاعر على تحويل ما يقرأه ويعيشه إلى تجربة شخصية، وإيجاد صوته الداخلي في اللغة. تبرز أهمية قراءة تجربته من خلال نصوصه، بعد صدور ثلاث مجموعات شعرية مطبوعة، ونصوص رقمية، وقراءات صوتية في ملتقيات أدبية، خاصة في طرطوس والساحل السوري. واهتمامه بالترجمة الأدبية هو امتداد طبيعي لدراسته اللغات.

تتميز مقدرته الشعرية بالانتقال بين القصيدة العمودية وقصيدة التفعيلة، مستفيداً من اختلاف البناء الإيقاعي. وتوصف لغته بالسهولة الممتنعة والنبرة الشجية، بعيداً عن التكلف. هذه الملامح تحتاج إلى قراءة نصية تفصيلية تكشف عن صوره الشعرية، وعلاقته بالموسيقى والوزن، والمساحة التي يمنحها للتجربة الشخصية.

البيئة الساحلية التي ينتمي إليها، طرطوس ببحرها وذاكرتها، وقريته الوادعة، ليست مجرد جغرافيا، بل مكان تتداخل فيه الذاكرة بالحنين، وتلتقي عنده أسئلة الرحيل والانتماء. والبحر، في المخيلة الشعرية، مساحة تتسع للانتظار والخوف والحرية، ومرآة لما تعجز الكلمات عن قوله.

تجربة الدراسة خارج الوطن تفتح مدخلاً لقراءة أسئلة الغربة والحنين، فالغربة لا تنتهي بالعودة، ويبقى شيء من المسافة في الداخل، ويعيد الإنسان اكتشاف جذوره بطريقة مختلفة. القصيدة وحدها تكشف كيف تحولت هذه التجارب إلى صور ودلالات، وكيف خرجت من حدود السيرة لتصبح تجربة يراها الآخرون في حياتهم.

لآصف وسوف حضور في الأمسيات والملتقيات الثقافية، ويمتلك قدرة على الإلقاء ونبرة صوتية دافئة. الاستماع إليه على المنبر هو وجه آخر لعلاقته بالكلمة، فالصوت يمنح القصيدة إيقاعاً محسوساً، ويكشف عن مواضع الهدوء والتوتر، ويقربها من وجدان الحاضرين.

على الرغم من حصوله على شهادات تقدير وتميز في مسابقات شعرية، ودروع وشهادات شكر من مراكز ثقافية، إلا أنه يشعر أن تكريمه الحقيقي هو محبة الناس له. أكتب عن آصف وسوف ليس استعراضاً لغوياً، بل وفاءً للأدب وللإنسان الذي يحمل إنسانية تفوق حدود الجغرافيا. لم أكتب عنه شاعراً بعيداً، بل أديباً جمعني به جوار المكان، فتأملت الإنسان قبل نصوصه. إنها حكاية بسيطة تبدأ من نافذة الجوار الذي منحني متعة معرفة صاحب الروح الأنيقة والمحبة للشعر.

شارك الخبر: