الحرب تقتل أبي بقذيفة.. وخطاب الكراهية يهدد بقتله مجدداً


هذا الخبر بعنوان "ربحته الحرب بقذيفة.. ولن يُقتل أبي ثانية بسلاح الكراهية" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٣ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم يكن لبيتنا حصانة ضد الدمار الذي اجتاح سوريا، لكنه لم يتهدم حجراً وحجراً، بل كان بناؤه من لحم ودم، وأعمدته أكتاف أبي. قبل وفاته بأيام، نجا أبي مرتين من الموت، بعد أن أفلت من قذيفتين كادتا تنهيان حياته في شمالي حلب، التي كانت آنذاك ساحة صراع بين قوات النظام والمعارضة. كان حدسه قد حذره من الذهاب إلى تلك المنطقة، لكن إصرار عائلته على رؤيته قبل سفره إلى دمشق غلب تردده، فذهب. وبينما كان يصلي، دوى انفجار عنيف أصاب المكان بالذعر. لم يكمل صلاته، بل هرع ليحمي أبناء عمومته الصغار بجسده. ثم انفجر آخر أقرب، فأصابته شظية في رأسه فارق على إثرها الحياة. لم أشهد الواقعة، لكنني عشت تفاصيلها في خيالي آلاف المرات. ترسخ في ذهني المكان الذي قُتل فيه أبي كمسرح للجريمة، وامتد الرفض الذي ولدته الفاجعة إلى كل من ارتبط بذلك المكان من أطراف الصراع: النظام، المعارضة، المدنيون، والمسلحون. لم أملك دليلاً يربط أياً منهم بالواقعة، لكن الفاجعة دفعتني لاختزال مشهد معقد وقاسٍ في صورة واحدة، حمّلت فيها المكان ومن ارتبط به مسؤولية لا أعرف فاعلها، متسائلة: «من قتل أبي؟» هل كانت القذيفة تابعة للنظام؟ أم لفصيل معارض؟ أم لجماعة متشددة؟ لم أحصل على جواب شافٍ، وبقي السؤال يلاحقني سنوات، لا بدافع الثأر، بل بحثاً عن الحقيقة والعدالة، وعن يقين يضع حداً للأفكار المتصارعة في رأسي حول هوية القاتل. ومع مرور الوقت، وجدت نفسي أمام طريقين: إما الغرق في هذه الحرب النفسية، أسيرة الرفض المتشكل داخلي تجاه الآخر، أو الاعتراف بأن تحويل الألم إلى كراهية لن يعيد والدي، وأن غياب الحقيقة لا يمنحني الحق في صناعة حقيقة بديلة أو إدانة أشخاص لمجرد انتمائهم المذهبي أو المناطقي.
حرب خارج ساحة المعركة
لم تكن قصتي إلا صورة مصغرة لما فعلته الحرب بملايين السوريين. فما عجزت عن هدمه في البيوت، دمرته في النفوس والعلاقات. قسوة الحرب لم تكن بحجم الفقد والخسارة فحسب، بل بأن أبطال المشهد هم أبناء حي واحد، أصدقاء طفولة كبروا معاً، ووجدوا أنفسهم فجأة على طرفي بارودة، يتبادلون النار فوق أرض حملت ضحكاتهم يوماً ما، ليغدو الجرح أعمق والترميم أكثر صعوبة. لم تنته الحرب بصمت السلاح، بل تنكرت بأشكال جديدة على جبهات أعمق، هاجمت الذاكرة والنفس البشرية، وطالت شظاياها كل منزل سوري، فتمزق النسيج الإنساني وتفككت المساحة المشتركة التي جمعت السوريين عقوداً طويلة. تراجع شعور الأمان، ما دفعهم لإعادة تشكيل علاقتهم بذواتهم ومن حولهم، فتسلل الخوف والحذر إلى تفاصيل حياتهم اليومية. ليتبين لاحقاً أن سؤال «من قتل أبي؟» لم يكن شخصياً فحسب، بل تكرر بأشكال مختلفة في آلاف البيوت السورية. فمن فقد ابنه أو ابنته، ومن هُدم منزله، ومن خرج من معتقل، ومن عاش التهجير أو النزوح، حمل داخله رواية خاصة للحرب، ورأى العالم من خلالها. وهكذا شُيدت داخل النفس البشرية حصون غير مرئية حولت لغة الحوار من أداة للتفاهم إلى خطاب حرب يتغذى على إقصاء الآخر وسلبه صفة الإنسانية كونه مختلفاً.
بمرور الوقت، بدأ خطاب الحرب يكبر ككرة ثلجية تتغذى بالخوف والألم، وتتضخم بضبابية الحقيقة وغياب العدالة والحاجة للعثور على مذنب. ومع كل دورة لها، لم يبق الألم فردياً بل تحول إلى سرديات جماعية ترفض الآخر. ليتحول خطاب الكراهية من مجرد رد فعل انفعالي إلى سلاح امتد خارج ساحة المعركة، وتغلغل في تفاصيل الحياة اليومية والنقاشات العائلية ووسائل التواصل الاجتماعي، واضعاً حدوداً تفصل بين السوريين. فلم يعد الموقف السياسي مجرد رأي يُحاور، بل أصبح – عند البعض – دليلاً على الانتماء إلى جهة معادية. ولم تعد الجغرافية مجرد حيز مكاني للعيش، بل علامة فارقة يُحاسب الفرد على أساسها، ليُدان بما يفترض الخطاب أنه يمثله، لا بما فعله.
تسلسل لغوي!
مع تكرار تلك التصنيفات، وجد خطاب الكراهية لنفسه لغة خاصة تعيد إنتاجه وتمنحه فرصة أكبر للانتشار. في لقاء مع اختصاصية اللغة العربية، رؤى حمدان، شرحت حمدان عملية «تنميط خطاب الحرب في اللغة» التي تبدأ بالتعيين القيمي، أي إلصاق صفة سلبية بجماعة بطريقة تبدو وصفية، لكنها قيمية، ثم تتوسع عبر التعميم النحوي أو صيغة الجمع، فيُمحى الفرد لصالح صورة نمطية. ووفق علم اللغة التداولي، فإن التكرار يُفقد العبارات قوتها في إحداث الصدمة أو الاستفزاز، فتتحول إلى صيغة اعتيادية ومقبولة اجتماعياً لا تستوقف المتلقي. مما يعني أن خطاب الكراهية تطبع مع اللغة، لنصبح في مرحلة لاحقة أمام قوالب جاهزة سهلة الاستخدام، فالمتكلم لم يعد بحاجة إلى إنتاج الخطاب، بل لاستدعائه فقط، فيحدث الانزلاق الدلالي، إذ تفقد الكلمات معانيها الأصلية المحايدة وتكتسب دلالة سلبية مستقرة نتيجة اقترانها المتكرر بسياقات هجومية. وبالتالي، يعيد خطاب الكراهية إنتاج نفسه عبر تصنيفات إقصائية تحدد من خلال تلك القوالب الجاهزة، من يحق له دخول دائرة الانتماء الوطني، ومن يُنفى خارج معادلة المواطنة عن طريق اختزال الإنسان في هويته السياسية، أو المذهبية أو المناطقية، وتحويل انتمائه إلى حكم مسبق عليه بالجريمة.
فخ التعميم
يقع الإنسان في فخ التعميم خاصة عندما يكون تحت تأثير الفاجعة، فالصدمة تربكه، وتؤثر في قدرته على رؤية المشهد بوضوح. فيرى الحياة من عدسة جرحه، باحثاً فيها عن شماعة يعلق عليها خسارة أثقلت ظهره، فيختلط عنده البحث عن الحقيقة بالتعميم. لقد وضعتنا الحرب أمام إشارات استفهام كبيرة لا تجد إجابات واضحة ومواقف يصعب فهمها، وصورة تتعدد فيها الأطراف والروايات، فكان التعميم الطريق الأسهل للتعامل مع الواقع، لأنه يستند إلى ذاكرة انتقائية تعيد ترتيب ما حدث وفق التجربة الشخصية. فعندما يتذكر شخص ما تجربة مؤلمة سبّبها له فرد ينتمي لجماعة معينة، قد تتحول تلك التجربة تدريجياً إلى منظور يرى من خلاله كل من ينتمي لتلك الجماعة امتداداً للتجربة التي عاشها. ومع تكرار المواقف، يتحول الاستثناء تلقائياً إلى قاعدة، ولا تكون مهمة الذاكرة هنا مجرد استعادة ما حدث، بل وسيلة لتوقع ما قد يحدث، فالأحكام المسبقة تجعل الإنسان أكثر استعداداً للتركيز على ما يؤكدها، وتجاهل ما يناقضها. وتكمن خطورة التعميم في إسقاط السؤال عن المسؤولية الفردية والتحدث بصيغة الجمع. فبدلاً من معرفة الفاعل وجمع الأدلة التي تدينه، يُطرح السؤال عن الجماعة التي ينتمي إليها، وبالتالي يمارس الوصم الجمعي على فئة كاملة إثر سلوك فردي، ما يجعل مواجهة التعميم جزءاً أساسياً من تفكيك خطاب الحرب، لا بهدف إنكار الجرائم والتستر على المجرمين، بل لمحاسبة الفاعل دون أن تؤخذ فئة كاملة بجريرة فرد.
عندما تتصافح الآلام.. نلتقي!
لم أتخلص بسهولة من تلك السموم النفسية التي نفثتها الحرب في روحي، إثر ذلك الحدث القاسي، الذي شطر الحياة إلى ما قبل وما بعد. فالتعافي لم يكن قراراً يمكن اتخاذه بلحظة، بل كان مساراً قيصرياً طويلاً لكيفية تعلم العيش مع الفقد، واحترام آلام الآخرين ومرارتها. على مر السنوات، بدأت الغشاوة التي صنعتها الصدمة تنقشع عن بصيرتي، وصرت أرى الآخرين من خلال تجاربهم وما حملوه من ألم، لا من ثقب خسارتي الضيق. رحت أغوص في متابعة حكايات الفقد القاسية: قصص عن عائلات تفتت أشلاء تحت القصف والتفجيرات، وأحياء على قيد الموت لا يعرف عائلاتهم أي عتمة تخيم عليهم، وأطفال شُرّدوا بعيداً عن بيوتهم أو التهمتهم شبكات الإتجار بالبشر. رأيت بيوتاً تشبه بيتنا في ألمه، بتفاصيل مختلفة. وكلما تعمقت في تلك القصص، اقتربت أكثر من التعافي، وتلاشى تدريجياً سؤال: «إلى أي جهة ينتمي؟» ليحل محله سؤال أكثر إنسانية: «ماذا تركت الحرب في هؤلاء البشر؟». كان عليّ استيعاب أن الموقف العدائي الذي اتخذته، استنزفني بالدرجة الأولى قبل الآخر، ومنعني من رؤية الإنسان خارج الصورة التي طبعتها الحرب في ذاكرتي. عندها بدأت أرى أن استعادة المساحة المشتركة بين السوريين، تبدأ بالبحث عن الروابط التي ما زالت تجمعنا رغم كل ما خسرناه، وكان الألم أحد أعمق تلك القواسم المشتركة بيننا، ربما لم نخسر الأشياء نفسها، لكننا تشاركنا الإحساس ذاته. لقد جمعنا الانكسار أمام فقدان من نحب، والخوف على شخص لا نعرف في أي معتقل يُعذب، والاقتلاع القسري من مكان اعتدناه وطناً، ووحّدتنا مشاعر مؤلمة لا تختزلها الكلمات، لكنها تلتقي في أعماق النفس البشرية لتحفر فيها، وتصبح عاملاً مشتركاً ولغة مفهومة بيننا، تنقلنا من خطاب الحرب، القائم على الاتهام والتصنيف، إلى خطاب المواطنة، الذي يعترف بالاختلاف دون تحويله إلى عداوة. وحين ندرك أن الألم هو أكبر الروابط بيننا، نكون قد وضعنا أقدامنا على أول الطريق نحو المساحة المشتركة، التي تبدأ بالإنصات لتجربة الآخر ومنحه المجال ليروي ما عاشه بعيداً عن القوالب التي فرضتها الحرب، عندها يصبح الحوار ممكناً، ونبدأ برؤية الإنسان بوصفه إنساناً مجرداً من أي اعتبارات مناطقية أو فكرية أو مذهبية، فلا يعود الاختلاف سبباً للخصومة، بل مساحة نتعلم فيها أن يرى بعضُنا بعضاً كما نحن، لا كما أرادت الحرب أن نكون.
مصيدة الانتقام
لا يمكن تعويم رواية واحدة للحرب، ولا مطالبة الضحايا بنسيان الألم، أو التصالح مع من تسبب لهم بالأذى، في سبيل استعادة المساحة المشتركة بين السوريين. فهناك حد فاصل بين فهم الآخر وتحقيق العدالة القائمة على المسؤولية والمحاسبة، لا على الانتقام الذي إذا اشتعل في النفس البشرية امتد إلى ما هو أبعد من صاحبه وأحرق كل ما حوله. عندما تسقط المحاسبة في مصيدة الانتقام، يصبح العقاب قابلاً للتمدد من الفرد إلى الجماعة، وبالتالي إعادة إنتاج المنطق نفسه الذي غذّى الحرب. فالعدالة التي نحتاجها، هي التي تعيد المسؤولية إلى نصابها الصحيح. إن أصعب ما في التعافي بعد الحرب هو حمل ذاكرتنا دون تحويلها إلى سلاح، والمطالبة بالعدالة دون أن نطلب الثأر. ربما لن نستطيع تغيير الماضي الذي صنعته الحرب، لكن بإمكاننا منعها من تحديد شكل المستقبل. فما نحتاجه في المرحلة الراهنة، أن نتعلم كيف نحمل روايات متعددة من دون أن نحول اختلافها إلى وقود لحرب جديدة. عندما رحل أبي، لم أستطع منع القذيفة من قتله، فربحته الحرب، وحاولت أن تجعل من طريقة رحيله وقوداً لحرب أخرى، لكن تخليد ذكرى الضحايا لا يكون بجر أسمائهم إلى معارك جديدة، ولا بتحويلهم إلى أدوات للخصومة والبغضاء، بل بجعلهم نقطةً تتوقف عندها الحرب. لم أستطع منع القذيفة من قتل أبي، لكن بإمكاني منع خطاب الحرب من قتله مرة ثانية. حازت المادة على المركز الأول في “مسابقة 100 صوت ضد خطاب الكراهية” التي أطلقها موقع “صوت سوري”.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي