ثقافة

الباحث أحمد الحسين: توثيق تراث الجزيرة السورية.. صون للذاكرة الشعبية من الاندثار

enabbaladi.net٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٤ ص1 مشاهدة
الباحث أحمد الحسين: توثيق تراث الجزيرة السورية.. صون للذاكرة الشعبية من الاندثار

تنويه

هذا الخبر بعنوان "أحمد الحسين يوثّق تراث الجزيرة السورية.. ذاكرة شعبية مهددة بالاندثار" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم يكن اهتمام الباحث أحمد الحسين بالتراث الشعبي في الجزيرة السورية مجرد شغف بالماضي، بل نابع من معايشته لهذا التراث منذ الطفولة، وتحول لاحقًا إلى مسعى دؤوب لجمعه وتدوينه ودراسته منذ ثمانينيات القرن العشرين. هدفه الأساسي هو حفظ تفاصيل الحياة الشعبية، بما فيها العادات والتقاليد والمهن والفنون، من طي النسيان والاندثار. يرى الحسين أن التراث الشعبي بمثابة سجل حي لمجتمع، يوثق أنماط عيشه، أفكاره، وعلاقاته الاجتماعية والعشائرية، خاصة في عصر الثقافة الشفوية الذي تميز بمحدودية المصادر المكتوبة عن تاريخ المنطقة. من خلال ثلاثة كتب منشورة هي “فنون المأثورات الشفاهية في الجزيرة”، “الألعاب الشعبية في الجزيرة”، و”في تراث الجزيرة السورية”، بالإضافة إلى كتاب قيد الطباعة بعنوان “دراسات في تراث حوض الخابور”، سعى الحسين لتوثيق جوانب متعددة من الحياة الشعبية، بدءًا من الألعاب والأغاني والأمثال، وصولًا إلى الزراعة والرعي والسكن والملابس وطقوس الزواج والموت. وفي سياق متصل، يؤكد الباحث الأكاديمي في الأدب واللغة العربية، إبراهيم الأحمد، على أن توثيق التراث يمثل حفظًا للذاكرة الثقافية والاجتماعية، وتزداد أهميته في ظل العولمة وتراجع التمايز بين الهويات الثقافية، مشيرًا إلى أن الدراسات حول تراث الجزيرة السورية لا تزال قاصرة عن استيعاب تنوع المنطقة.

من المعايشة إلى التوثيق:

يقول أحمد الحسين في حديثه لـ”عنب بلدي” إنه نشأ في الجزيرة السورية وعاش فيها، وتفتحت مداركه منذ الصغر على التراث الشعبي من خلال السماع والرواية والمعايشة، مما جعله جزءًا لا يتجزأ من تكوينه المعرفي والثقافي وذاكرته وهويته. مع مرور الوقت، أدرك الحسين أن هذا الموروث لا يقتصر على الحكايات والعادات المتوارثة، بل هو سجل لتجارب الناس وخبراتهم، حيث عبروا من خلاله عن أنماط حياتهم، أفكارهم، عاداتهم، تقاليدهم، فنونهم، مهاراتهم المهنية، وخبراتهم العملية، بالإضافة إلى طبيعة علاقاتهم الاجتماعية والعشائرية. وأتاح هذا الموروث للأجيال اللاحقة تصور حياة الآباء والأسلاف بأبعادها المختلفة، وكشف عن اتصال تراث الجزيرة السورية بالموروث العربي في البلدان المختلفة، رغم تباعد المسافات والظروف المحلية. من هذه الرؤية، بدأ اهتمام الحسين بالتراث كمخزون معرفي وثروة تحتاج إلى الحفظ والجمع والتوثيق، خاصة وأنه بدأ يعاني من الإهمال والنسيان والاندثار. منذ ثمانينيات القرن العشرين، اتجه إلى جمع الموروث الشعبي وتدوينه ودراسته وتحليله ونشره، والكتابة عنه في الصحف والمجلات ووسائل الإعلام المختلفة، قبل أن ينتقل إلى إصدار الكتب والمؤلفات المطبوعة. عمل الحسين وفق خطة منهجية رصد من خلالها موضوعات التراث وصنفها في أبواب تغطي مساحة واسعة من قضاياه وجوانبه في الجزيرة السورية.

الروايات الشفوية والمراجع المكتوبة:

في ظل محدودية المصادر المكتوبة عن تاريخ الجزيرة وتراثها، اعتمد الحسين على الروايات الشفوية التي جمعها من المعمرين وكبار السن، ووثقها بالكتابة والتسجيل الصوتي والتصوير الضوئي. أجرى مسحًا ميدانيًا للوقوف على الروايات المتنوعة المتعلقة بالموضوع الواحد، ثم مقارنتها والموازنة بينها، لاستكمال التصورات المتعلقة بها والإشارة إلى اختلافاتها، بما يحقق الموضوعية والأمانة العلمية. لم يقتصر عمله على جمع الروايات المتداولة، بل لاحظ أن بعض المعتقدات الشعبية تتصل بجذور تراثية يمكن تتبعها في كتب الأدب والتاريخ، وأن العودة إلى هذه المصادر تساعد في إغناء الرواية الشفوية وإظهار تطورها وتغيرها مع التحولات الزمنية والاجتماعية. يضرب الحسين مثالًا على ذلك باعتقاد أهل الجزيرة السورية المتعلق بـ”بنات نعش”، وهي سبع نجوم تظهر في السماء. الرواية الشعبية تربط هذا المشهد ببر الفتيات بآبائهن، بينما قاده البحث في كتابي “صبح الأعشى” و”محاضرات الأدباء” إلى رواية أسطورية أوسع تتحدث عن عداوة بين نجمي الجدي ونعش. يشير إلى أمثلة أخرى من المعتقدات الشعبية، منها ما يتصل بـ”دستور الجن” و”خورة الملائكة”، والتحذير من سكب الماء الساخن على الأرض مساءً، وتفسيرات تتعلق بعقم البغال. يرى الحسين أن هذه المعتقدات، التي تناقلتها الأجيال في الجزيرة السورية، تتصل بتراث العرب وذاكرتهم الجمعية منذ عصور قديمة.

منهجيات دراسة التراث:

يحدد إبراهيم الأحمد منهجين أساسيين لدراسة التراث الشعبي: المنهج التاريخي، الذي يهدف إلى معرفة جذور التراث وتطوره عبر الزمن، والمنهج الميداني، الذي يقوم على النزول إلى التجمعات الثقافية ومشاهدة الناس في مناسباتهم والاستماع إليهم ومجالسة كبار السن. يرى الأحمد أن دراسات توثيق التراث ينبغي أن تكون أقل صرامة من الدراسات التاريخية، لأن مصادر التراث الشعبي غالبًا ما تكون عفوية وبعيدة عن الأدلجة السياسية أو الفكرية، وأن الهدف هو جمع أكبر قدر ممكن من المادة المتاحة تمهيدًا لدراستها وتصنيفها لاحقًا.

سجل للحياة وتحولاتها:

يربط الحسين التراث الشعبي بتاريخ المنطقة وبيئتها وجغرافيتها، وما تراكم لدى سكانها من معارف وخبرات حياتية وعملية، وما عبّروا عنه من عادات وتقاليد وأعراف ومشاعر وتصورات فكرية. يقول إن الباحث في تاريخ المجتمع وأنماط العيش والعلاقات الاجتماعية في الجزيرة السورية يستطيع العثور على مادة تساعده في فهم هذه الجوانب ضمن الحكايات والأغاني والأمثال والقصائد الشعرية والمعتقدات الشعبية وطقوس الاحتفالات. يصف الحسين هذا التراث بأنه “ديوان أهل الجزيرة”، الذي يمكن من خلاله تتبع انتقال المجتمع من مرحلة البداوة والرعي والتجوال إلى الزراعة والاستقرار، والتحولات التي رافقت الانتقال من السكن في الخيام وبيوت الشعر إلى البيوت الطينية، ثم الأبنية المشيدة بالإسمنت والحديد. كما يعكس هذا التحول تغير وسائل التنقل، من الاعتماد على الخيل والإبل إلى استخدام السيارات والمركبات، إلى جانب دخول وسائل الترفيه والخدمات، مثل الماء والكهرباء والاتصالات. المعلومات التي يوفرها التراث الشعبي قد تعاني من ثغرات ونواقص، ما يضع على عاتق الباحث مسؤولية استكمالها بالبحث والتنقيب في المصادر والوثائق المكتوبة، رغم محدوديتها أحيانًا أو وجودها في متاحف ومراكز وثائق وأبحاث بعيدة عن متناول الباحثين من أبناء المنطقة. في مؤلفاته، تناول الحسين طقوس الخصب والمطر، وتقاليد الفلاحة والزراعة والرعي والحصاد والصيد البري، وثقافة الطعام والولائم، وأنماط السكن والعمارة، وتراث الخيول، وتقاليد الزواج والختان، وأزياء الرجال والنساء وحليهن، وطقوس الموت ومآتم النعي والندب، وأهازيج العمل والأفراح والألعاب الشعبية والأمثال. وشملت موضوعاته أيضًا العادات والمعتقدات الشعبية، والمعارف المتعلقة بالمناخ والطب، ونخوات العشائر في الجزيرة السورية. ومع ذلك، يرى أن هناك موضوعات ما تزال بحاجة إلى الجمع والتدوين، من بينها أساليب السرد والحكايات الشعبية واللهجات وفنون القول، مثل القصيد والحداء، وطقوس الضيافة والقهوة، وأعراف الإجارة والمصالحات والدية ومجالس الدواوين. كما يشير إلى الحاجة إلى توثيق فنون الغناء، ومنها النايل والسويحلي والعتابا، وأهازيج الأفراح والدبكات، وهشهشة الأطفال والألغاز والأحاجي والأقوال المتداولة.

ألعاب اندثرت ومهن تغيرت:

خصص الحسين كتابًا للألعاب الشعبية في الجزيرة السورية، وثق فيه أكثر من 40 لعبة للصبيان والفتيان والفتيات والنساء والرجال، قال إنها انقرضت أو مُحيت من الذاكرة الشعبية والممارسة الحياتية. جمع هذه الألعاب من خلال التواصل مع كبار السن والمشاهدات العيانية والزيارات الميدانية في مناطق الحسكة، معتمدًا على الاستماع وتقاطع الروايات، قبل تدوين قواعد كل لعبة وطريقة أدائها وأوقات ممارستها وأسمائها المختلفة. بحث في صلة هذه الألعاب بموروث الألعاب الشعبية الوارد في كتب التراث العربي، وتقصى أبعادها الزمانية والمكانية، وعزز توثيقه بالصور الإيضاحية والضوئية. من الأمثلة التي يوردها لعبة “شضيض راح”، التي كانت شائعة بين أبناء البوادي والأرياف، وكان الصبيان والفتيات يمارسونها ليلًا. يشير إلى أن الصبيان الكرد يسمونها في بعض مناطق الجزيرة “داري شفي”، وتعني عصا الليل، بينما تعرف في مناطق سورية أخرى باسم “شريد راح”. ذكر الحسين أن اللعبة عُرفت في العصر الجاهلي باسم “عظم وضاح”، ولها تسميات أخرى في البلدان العربية. في كتابه “في تراث الجزيرة السورية”، وثق الحسين صورة الحياة وطبيعة المجتمع وعاداته وتقاليده وأعرافه وأنماط عيشه وسكنه، متناولًا التحول من البداوة والرعي والتجوال إلى الزراعة والإقامة والاستقرار، وما رافق ذلك من تغير في العلاقات والممارسات الاجتماعية ووظائف الأفراد وأدوارهم، واندثار بعض الممارسات وظهور أخرى تواكب المرحلة المعاصرة. أسهم ظهور التلفاز والمحطات الفضائية في تراجع دور المجالس والمضافات والدواوين التي كانت تستضيف اللقاءات والسهرات، وتُروى فيها القصص والحكايات والأشعار. أدى دخول جرارات الحراثة وماكينات الحصاد إلى الزراعة منذ ثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي إلى اندثار تقاليد الفلاحة اليدوية، واختفاء صناعة بعض الأدوات المرتبطة بها، ونسيان الأدعية والأهازيج التي كانت ترافق العمل. استخدام مضخات الري الحديثة وصهاريج الماء في سقاية الماشية أسهم في اندثار القصائد والأهازيج التي كان يرددها سقاة الماشية عند ورودها من الآبار الجوفية. في مجال النسيج، انتشار المصانع والأنوال الآلية ألغى طرقًا تقليدية لصناعة الغزول والحياكة، وأدى إلى ضياع خبرات وأدوات متوارثة، ولا سيما فن السدو. انتشار الألعاب الإلكترونية عبر الإنترنت وشبكات التواصل والهواتف المحمولة، يربطه الحسين باندثار عشرات الألعاب الشعبية للكبار والصغار. تغير طبيعة الرعي وتوافر وسائل التسلية الحديثة أدى إلى تراجع تعلم العزف على آلات نفخ شعبية، واستبدال آلة الأورغ بها في الدبكات والحفلات الغنائية. تطور العلوم والتقنيات والمتغيرات الاجتماعية والاقتصادية أثر في المعارف المرتبطة بالنجوم والمناخ والأحوال الجوية، كما طال أنماط السكن والغذاء واللباس وطقوس الزواج والأعياد والختان وغيرها من الاحتفالات.

دراسات متفرقة ودعوات إلى مؤسسات متخصصة:

يرى الأحمد أن توثيق التراث يرتبط ارتباطًا وثيقًا بحفظ الذاكرة، وأن أهميته تتزايد مع اتساع العولمة وتشابه أنماط اللباس والعمران والحياة، بما يضيّق مساحة الهويات الثقافية الفرعية ويقلل التمايز والتنوع. الوصول إلى الذاكرة الثقافية يمر بالتوثيق أولًا، ثم نشر المعلومات بوسائل عصرية تصل إلى الأجيال الجديدة. التوثيق يوفر مادة للدراسات الأدبية والتاريخية اللاحقة. في تقييمه لواقع الدراسات المتعلقة بالتراث الشعبي في الجزيرة السورية، يصف الأحمد واقع البحث والدراسات الأكاديمية وغير الأكاديمية في البلاد بأنه متراجع، رغم وجود دراسات متفاوتة في أهميتها وجدتها وجديتها. معظمها يتناول مسائل لسانية أو موضوعات تراثية مجتزأة لا رابط بينها، ولا ترقى، بحسب رأيه، إلى مستوى التنوع الثقافي والتراثي العريق للمنطقة. يتقاطع هذا التقييم مع ما يذكره الحسين عن محدودية الدراسات المدونة المتعلقة بتراث الجزيرة السورية، إذ يصفها بأنها قليلة، وفردية في معظمها، ومتفاوتة في مستوياتها العلمية والمنهجية. يعزو الحسين ذلك إلى غياب التشجيع والدعم المجتمعي والمؤسساتي، وصعوبات جمع المادة وتوثيقها، وما يتطلبه العمل من أدوات وآليات وتنقل وتجوال ونفقات، إضافة إلى ضعف الوعي بقيمة التراث الشعبي والمخاطر التي يتعرض لها. يرى أن بعض أفراد المجتمع ما يزالون ينظرون إلى التراث الشعبي باعتباره مادة دونية أو أشياء عفا عليها الزمن، لا تستحق الاهتمام والعناية. لتعزيز العمل في هذا المجال، يدعو الحسين إلى إعداد دراسات أوسع وأعمق وأشمل، وتغطية الموضوعات التي لم تحظ بالبحث الكافي، معتبرًا أن هذه المهمة مسؤولية جماعية ووطنية. يقترح إحداث أقسام جامعية لتدريس التراث الشعبي على مستوى سوريا، وافتتاح برامج للدراسات العليا في الميادين التراثية والشعبية، إلى جانب تفعيل مديريات الثقافة الشعبية وإحداث فروع لها، وتأسيس مجلس أعلى للتراث الشعبي ولجان فرعية من أبناء المناطق تتولى جمع التراث وتدوينه. كما يدعو إلى إقامة دورات تدريبية وتأهيلية للمتطوعين، ومنحهم مكافآت مالية، وإنشاء متاحف للتراث والحياة الشعبية، وتعزيز دور الجمعيات الثقافية والنوادي الأهلية. وبين جمع الروايات الشفوية ومقارنتها بالمراجع المكتوبة، وتوثيق الألعاب والمهن والأغاني والعادات التي تغيرت أو اندثرت، تتواصل تجربة الحسين في تسجيل تفاصيل الحياة الشعبية في الجزيرة السورية. يرى الأحمد أن توثيق هذه المادة ونشرها بوسائل مناسبة للأجيال الجديدة يشكلان مدخلًا لفهم تاريخ المنطقة وذاكرتها الثقافية، وتوفير مادة يمكن أن تستند إليها الدراسات الأدبية والتاريخية مستقبلًا.

شارك الخبر: