اقتصاد

عودة المزارعين إلى حماة الشرقية: واقع مرير لزيتونهم المدمر وآمال التعافي المعلقة

enabbaladi.net٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٣ ص1 مشاهدة
عودة المزارعين إلى حماة الشرقية: واقع مرير لزيتونهم المدمر وآمال التعافي المعلقة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عاد المزارعون ولم يجدوا أشجارهم.. محاولات لإحياء زيتون شرقي حماة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

مع بداية موسم قطاف الزيتون وعصره في ريف حماة الشرقي، يستعيد المزارعون العائدون إلى قراهم ذكريات بساتين كانت تمثل شريان حياتهم الاقتصادي قبل سنوات النزوح. لكنهم يواجهون اليوم واقعًا مؤلمًا يتمثل في آلاف الأشجار المعمرة المقتلعة، أو المحروقة، أو المقطوعة، وجذور جرفت، وأراضٍ صخرية تحتاج إلى استصلاح مكلف. تكشف شهادات مزارعين ومختارين ورئيسة وحدة إرشادية، التقتهم عنب بلدي، عن حجم الدمار الذي لحق بقطاع الزيتون، وعن التحديات التي تعترض جهود التعافي، والأمل الذي لا يزال يشد المزارعين إلى أرضهم.

زيتون معمر مقتلع للحطب

تتفق شهادات المزارعين على أن قطاع الزيتون تعرض لدمار واسع ومنهج، طال آلاف الأشجار المعمرة التي تجاوزت أعمارها عقودًا، عبر التقطيع والجرف وتحويلها إلى حطب. يقول شرقي الحسين، مختار قرية العالية، إن أراضي القرية فقدت آلاف الأشجار المثمرة، وإن بستانه الذي كان يضم نحو 1200 شجرة زيتون بعمر 20 عامًا لم يتبقَ منه سوى جذور مقتطعة لـ200 شجرة، والبقية جرفت أو قطعت على يد مجموعات مسلحة تابعة للنظام السابق.

من جهته، يروي المزارع محمد الحسن الأحمد من قرية قنبر أن بساتين الزيتون كانت قبل النزوح تتمتع بصحة جيدة، وكانت الشجرة ضخمة جدًا. كان محمد يملك نحو 25 دونمًا تنتج ما بين 25 و40 تنكة زيت في المواسم الجيدة، لكنها باتت الآن بالكاد تنتج تنكتين أو شبه معدومة الإنتاج في العامين الأخيرين.

أما المزارع عامر عوض الحمود من قرية رسم الضبع، فقد وصف لعنب بلدي عودته بعد تهجير بدأ عام 2013 إلى أرض خاوية، حيث وجد الشجر مقتلعًا ومحروقًا، والرعيان يكسرون الأغصان، والعقارات جردت وعفشت. واعتبر أن قطع الأشجار المعمرة وبيعها حطبًا هو “أكبر جريمة بحق الطبيعة والأرض”. وأضاف أن دخول قطعان الماشية إلى الحقول وتكسير الأشجار للتدفئة، إضافة إلى تعديات مجموعات مسلحة، بما في ذلك تكسير الأغصان و”تمليخ” الثمار في أثناء الحصاد، أضعف الأشجار وفتح الباب لآفات مثل حفار الساق.

كلفة تتجاوز قدرة المزارع

تواجه عمليات إعادة زراعة الزيتون واستصلاح الأراضي عقبات مالية وفنية كبيرة. يوضح مختار قرية العالية أن الدونم الواحد يستوعب ما بين 32 و35 شجرة، وأن شراء غراس فتية بعمر سنتين أو ثلاث لتسريع الإنتاج يتراوح بين 5 و7 دولارات للغرسة. بينما تفرض الطبيعة الصخرية للأرض استخدام معدات ضغط الهواء لحفر الجور، ما يضاعف كلفة الحفر بسبب أسعار المحروقات وأجور العمالة. وقدر تكلفة استصلاح وتجهيز الدونم الواحد، مع نقل مياه الري المتكررة والأسمدة، بين 350 و400 دولار أمريكي.

يرتفع الأمر أكثر لدى بعض المزارعين، إذ أشار عامر عوض الحمود إلى أن سعر شتلة الزيتون الجديدة، سواء الإسباني أو العفريني، يصل إلى 17 دولارًا، وأن صهريج المياه يبلغ نحو 25 دولارًا، مع ارتفاع أسعار الأسمدة والأدوية الزراعية وفلاحة الأرض، وتراجع الثروة الحيوانية التي كانت توفر السماد العضوي المعتق للتربة الفقيرة أصلًا. وأضاف إلى ذلك غياب السيولة النقدية لدى مزارعين فقدوا مصادر دخلهم الأساسية، وغياب برامج الإغاثة واللجان الميدانية المتخصصة بتقييم الأضرار وتقديم الدعم اللازم.

الري والرعاية والآفات

لا يقتصر الخطر على ما دُمّر من الأشجار، بل يمتد إلى ما تبقى منها بسبب انقطاع الري وغياب الرعاية. أشار عامر عوض الحمود إلى أن شبكات الري توقفت عن ضخ المياه المخصصة لسقاية المزروعات الشتوية والصيفية لأكثر من 15 عامًا، وهي الريات الكفيلة بتغذية الأشجار وحمايتها من جفاف الأزهار وتساقط الثمار. موضحًا أن الشجر في الموسم الماضي أزهر كله لكنه يبس على الزهرة لعدم توفر الماء.

وأضاف محمد الحسن الأحمد أن التراجع الشديد للإنتاج يعود إلى نقص الأسمدة والأدوية الزراعية اللازمة لمكافحة الآفات، وعجز الري بسبب شح المياه وغياب القدرة على السقي المنتظم بعد سنوات من الانقطاع، إضافة إلى الانهيار المادي.

يواجه قطاع الزيتون في المنطقة خطرًا وجوديًا، بحسب المزارعين، وسط غياب تام لأي دور حكومي أو إرشادي أو التفاتة من المنظمات الإنسانية والتنموية المعنية بالشأن الزراعي، رغم محاولات بعض المزارعين لفت انتباه الجهات إلى حجم الكارثة، دون استجابة عملية. ويحتاج القطاع، بحسب الشهادات، إلى خطة عناية استثنائية تمتد لسنوات من الري والأسمدة والتقليم المكثف لاستعادة عافيته، وهو ما يتجاوز قدرات المزارع الفردي.

محاولات فردية وأمل معلّق

رغم حجم الدمار، يحاول المزارعون إنقاذ ما تبقى. أشار مختار قرية العالية إلى محاولات فردية لإحياء القطاع عبر الاستفادة من الجذور المتبقية وسقايتها وتسميدها كيميائيًا، لكن نسبة النجاح محدودة، إذ لم تتجاوز الأشجار المعافاة نحو 200 شجرة من أصل 1200، وهي غراس فتية لم تصل بعد إلى الإثمار والإنتاج الفعلي.

قال محمد الحسن الأحمد إن المزارعين الصامدين أو العائدين حاولوا إنقاذ الأجزاء المتبقية من الجذوع وتوجيه الفروع للنمو من جديد، لكن جهودهم اصطدمت بتراجع الإنتاج الشديد. أما عامر عوض الحمود فيتمسك بالأمل في إعادة استصلاح أرضه، متعهدًا بغرس نحو 500 شتلة جديدة مع بداية الشتاء المقبل، رغم خروج عشرات الدونمات عن الخدمة وبقاء بضع شجرات فقط.

انخفاض الأشجار إلى النصف ومؤشرات تعافٍ

رنا الحصري، رئيسة الوحدة الإرشادية في منطقة جروح بريف حماة الشرقي، تتابع عن قرب واقع القطاع الزراعي في نطاق يمتد ليضم قرى جروح ومسعود والعلباوي وصولًا إلى القرى التابعة للريف الشرقي المتاخمة لمدينة سلمية. وقالت لعنب بلدي إن قطاع الزيتون واجه تحديات بالغة القسوة انعكست مباشرة على البنية الزراعية وأعداد الأشجار، حيث تعرضت نسبة عالية من الأشجار للقلع والاجتثاث جراء التجريف الجائر، ولحقت أضرار بالغة بأخرى بسبب الحرائق الناجمة عن القصف، كما تسببت حالات الإهمال وغياب الرعاية في إصابة أشجار بآفات مثل حفار ساق التفاح، لتنخفض إجمالي أعداد الأشجار بمقدار النصف مقارنة بالإحصاءات المسجلة قبل عام 2011.

ورغم ذلك، أشارت الحصري إلى مؤشرات واضحة للتعافي، فقد عادت أعداد كبيرة من الأهالي والنازحين إلى قراهم وباشروا استصلاح أراضيهم وإعادة تنظيمها، واستحدثت بساتين وزراعات جديدة في مناطق كانت شبه خالية، مع نماذج في قرى الصلالية وطوبية العياش والمرامي لمزارعين استأنفوا زراعة الزيتون وحققوا إنتاجًا فعليًا، وحالات تعافٍ لبساتين متضررة بفضل العلاج والمتابعة. وأكدت حرص الوحدة الإرشادية على تقديم الاستشارات والنصائح الفنية للمزارعين لمساعدتهم في معالجة أشجارهم المتضررة وتطوير إنتاجهم، مع الاستعداد للتنسيق مع الجهات المعنية لضبط تفاصيل العمل ضمن الأطر القانونية والميدانية المتاحة بما يخدم القطاع الزراعي وأهالي المنطقة.

شارك الخبر: