الزيتون السوري: ثروة وطنية تنتظر الدعم الإنتاجي والتسويقي لمواجهة تحديات السوق


هذا الخبر بعنوان "بمناسبة حلول موسم قطافه: الزيتون.. ثروة اقتصادية سورية تبحث عن دعم إنتاجي وتسويقي يوازي مكانتها" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٤ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم: محمد الخطيب
تُعدّ شجرة الزيتون من أقدم الأشجار المزروعة في بلاد الشام، وتشير دراسات عديدة إلى أن موطنها الأصلي يقع في فلسطين، بوصفها جزءاً من سورية الطبيعية (بلاد الشام)، وأنها من أقدم مناطق انتشار الزيتون فيها، ومنها انتقلت الشجرة إلى سائر دول العالم، وقد ذُكرت في القرآن الكريم في سور عدة. ولم يعد هناك شك في الأهمية الاقتصادية الكبيرة التي يحتلها الزيتون وزيت الزيتون في الاقتصاد الوطني، بوصفهما من أهم المنتجات الغذائية على المائدة السورية، ومصدراً رئيسياً للدخل الوطني ولآلاف الأسر العاملة في هذا القطاع. وتتجلى هذه الأهمية في تفوّق قطاع الزيتون اقتصادياً على محاصيل رئيسية أخرى، كالقطن والشوندر السكري، اللذين يستهلكان كميات كبيرة من الموارد المائية، فيما يعتمد الزيتون في معظمه على الزراعة البعلية القائمة على مياه الأمطار. كما يتميّز الزيتون بثبات أصنافه عبر مئات السنين، وبقدرته على التأقلم مع الظروف البيئية المختلفة، بخلاف محاصيل زراعية أخرى تتأثر بدرجات أكبر بالتقلبات المناخية ونقص مستلزمات الإنتاج.
ورغم ذلك، فإن الدعم الذي تقدّمه الدولة للقطن والشوندر السكري يفوق بكثير ما تقدّمه لقطاع الزيتون، على الرغم من أن المساحات المزروعة به تبلغ نحو 647 ألف هكتار، تضم أكثر من 97 مليون شجرة، أي ما يشكّل 65% من إجمالي عدد الأشجار المثمرة في القطر. ويحتل الزيتون المرتبة الثالثة بين المحاصيل الزراعية الرئيسية بعد الحبوب والقطن، ويعتمد نحو ثلث سكان سورية في معيشتهم على هذا القطاع بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر الزراعة والتصنيع والتجارة، فضلاً عن أهميته الغذائية ودوره في توفير ملايين فرص العمل الموسمية والدائمة. لهذا، فقد تكررت مطالب الفلاحين للجهات المعنية، من خلال التنظيم الفلاحي والفعاليات الزراعية، بتقديم الدعم لمحصول الزيتون وزيت الزيتون، وإدراجهما ضمن مظلة صندوق الدعم الزراعي وصندوق دعم الصادرات، ووضع آليات لتسويق الإنتاج وتصديره، ولا سيما في ظل التراجع الملحوظ في أسعار زيت الزيتون.
يزداد عدد أشجار الزيتون عاماً بعد آخر، ومعه يزداد إنتاج زيت الزيتون، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفائض الإنتاجي، ويفرض تحديات متزايدة تتعلق بتسويق هذا المنتج في الأسواق المحلية والخارجية. ورغم الجهود المبذولة لتعزيز استهلاك زيت الزيتون، لم تنجح الحملات المختلفة في إقناع شرائح واسعة من المستهلكين في بعض المحافظات بالتوجّه نحو استهلاك زيت الزيتون إلى جانب الزيوت النباتية الأخرى، على الرغم من الفارق الكبير في القيمة الغذائية والصحية العالية لصالح زيت الزيتون. ويُعدّ قطاع الزيتون وزيت الزيتون من أهم قطاعات الاقتصاد الزراعي السوري، إذ يُسهم بنحو 3% من الناتج الإجمالي الوطني، فيما تُقدَّر القيمة الوسطية السنوية للمحصول بنحو ثلاثة مليارات ليرة سورية. وفي المقابل، لا يزال معدل استهلاك الفرد من زيت الزيتون على مستوى القطر يتراوح بين 4 و6 كغ سنوياً، مقابل 16 و18 كغ في محافظة إدلب.
في حين لا يزال مزارعو الزيتون يواجهون مجموعة من التحديات التي تقلّل من القيمة والجدوى الاقتصادية لهذه الزراعة، من أبرزها:
يشكّل التسويق التحدي الأبرز أمام قطاع زيت الزيتون، نتيجة ارتفاع أسعاره بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج، فقد بلغ فائض إنتاج القطر من زيت الزيتون القابل للتصدير في بعض السنوات نحو 100 ألف طن. وبحسب رئيس قسم بحوث الزيتون، فإن شركات الزيوت العاملة في هذا المجال، والبالغ عددها 27 شركة، لم تستطع تصدير تلك الكمية الفائضة، بسبب محدودية الطاقات التخزينية المتوافرة لديها، والتي تراوحت بين 50 و60 ألف طن، الأمر الذي انعكس على الأسعار وأدى إلى انخفاضها، مع احتمالات لمزيد من الانخفاض. وجاء ذلك بالتزامن مع وفرة الإنتاج العالمي الذي تجاوز ثلاثة ملايين طن، ما أدى إلى تراجع الأسعار العالمية لتقترب من مستويات الأسعار المحلية، الأمر الذي زاد من صعوبة المنافسة في الأسواق الخارجية. وقد ذكر أحد أصحاب شركات تصنيع وتعبئة الزيت أنه استورد زيت زيتون من أنطاكية ليقوم بفلترته وتعليبه وتصديره، في مؤشر واضح على وجود خلل في التوازن بين الإنتاج والتسويق والتخزين في قطاع الزيتون.
وفق الأرقام الواردة، يُزرع الزيتون في مئات آلاف الهكتارات، ويضم عشرات الملايين من الأشجار، ويوفر مصدر عيش لنحو ثلث السكان، ويستهلك مياهًا أقل بكثير من المحاصيل الأخرى. ومع ذلك، ظل يشعر أحياناً بأنه الضيف الذي يجلس في آخر الطاولة، فيما يحصل الآخرون على النصيب الأكبر من الدعم. فكأن شجرة الزيتون تخاطب الجهات المعنية: «أنا أعيش على المطر، وأوفر فرص العمل، وأملأ المعاصر، وأصدّر الزيت؛ فهل أحصل على بعض الاهتمام قبل أن يذهب معظمه إلى المحاصيل الأكثر عطشاً؟». والمفارقة أن المشكلة هنا ليست أن السوريين لا ينتجون زيت الزيتون، بل إنهم ينتجون منه أكثر مما يستطيع السوق استيعابه. فالمزارع يزرع، والشجرة تثمر، والمعصرة تعصر، ثم تبدأ رحلة البحث عن مشترٍ. والأكثر غرابة أن السوق وصل أحياناً إلى مرحلة أصبح فيها بعض الصناعيين يستوردون زيتاً من الخارج لإعادة تعبئته وتصديره، بينما كان جزء من الزيت المحلي يبحث عن خزانات تخزين لا يجدها! وكأن زيت الزيتون السوري كان يقول: «نجحتُ في معركة الإنتاج، لكنني خسرتُ في محطة التسويق قبل أن أصل إلى المستهلك». (أخبار سوريا الوطن)
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد