“اللجاة” في درعا: كنز سوري يجمع بين سحر الطبيعة وعراقة التاريخ


هذا الخبر بعنوان "عين على الوطن: “اللجاة” بريف درعا.. موقع نادر يجمع بين التراثين الطبيعي والإنساني في آن واحد" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٩ تشرين الأول ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعدّ منطقة “اللجاة” في ريف محافظة درعا كنزاً طبيعياً وأثرياً فريداً، فهي بمثابة متحف بازلتي مفتوح، حيث تحوّلت تضاريسها الوعرة عبر العصور من سمة طبيعية إلى حصن منيع حفظ جانباً مهماً من إرث المكان وشواهده. تجمع “اللجاة” بين ظاهرة جيولوجية فريدة وحضور إنساني حي في ذاكرة سكانها وعاداتهم وفنونهم الشعبية.
تاريخياً، كانت “اللجاة” ملاذاً للمطارَدين، بينما استقطبت الباحثين الآثاريين الذين استقوا أخبارها من المصادر المحلية والخارجية، والتي وصفتها بأنها كانت مصدر قلق للممالك في بلاد الشام الجنوبية، خاصة خلال العهد الروماني الذي حاول بسط سيطرته عليها عبر شق طريق “دوكلسيان” ووضع المخافر وأبراج المراقبة.
شكلت المنطقة مقصداً للبحث الأثري، حيث أجرت بعثات سورية فرنسية مسحاً شاملاً للتعرف على حضارتها ودورها في حضارة بلاد الشام الجنوبية وحوران، وما تحويه من مواقع أثرية ولُقى. تُعرف “اللجاة” تاريخياً باسم “تراخونيتد” وهي من أكبر الحقول البركانية في جنوب سوريا، تمتد على مساحة تقارب 900 كيلومتر مربع بين محافظتي درعا والسويداء، وتتميز بطبيعتها الصخرية الوعرة وشقوقها ومغاورها التي منحتها حصانة دفاعية طبيعية.
تم إدراج موقع “اللجاة” على قائمة التراث في منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة “إيسيسكو” منتصف العام الجاري، مما يسلط الضوء على فرادة هذا الموقع ومكانته الحضارية.
تُعدّ “اللجاة” من أبرز الظواهر الجيولوجية، وتُعرف علمياً باسم “الحرّة السوداء”، وتشكلت نتيجة تدفقات الحمم البركانية من براكين جبل العرب الخامدة، لتوجد مشهداً طبيعياً استثنائياً من صبات بازلتية صلبة وتلال متموجة وأودية صخرية عميقة.
لا تقتصر فرادة الموقع على قيمته الجيولوجية، بل تمتد لتشمل قيمته البيئية والثقافية والأثرية، ما يجعله موقعاً نادراً يجمع بين التراث الطبيعي والإنساني. شكلت الطبيعة الصخرية الصعبة حاضنة للاستقرار البشري ومجالاً لتراكم طبقات التاريخ، حيث تضم المنطقة أكثر من 500 موقع أثري يعود بعضها إلى ما قبل التاريخ والعصور اليونانية والرومانية والبيزنطية والإسلامية.
تتوزع المواقع الأثرية على مساحات واسعة، وتشمل مواقع العصر البرونزي، مثل “خربة لبوة، وتل دبة بريكة، وكوم الصوان، وكوم المغاربة، وكوم الرمان، وموقع الشرايع”. ومن أبرز المواقع “سحر اللجاة” شرق بلدة “المسمية”، حيث عُثر فيه على معبد يوناني ومسرح روماني صغير، إلى جانب آلاف القطع الأثرية.
تضم “اللجاة” مدناً وقرى أثرية متكاملة مثل بلدة “المسمية” الرومانية، ومواقع “شعارة، وأم الزيتون، وإزرع” التي تضم كنيسة “القديس جاورجيوس” الأثرية، بالإضافة إلى قصور وقلاع وآبار مياه محفورة في الصخر البازلتي.
أُعلنت “اللجاة” محمية حراجية طبيعية عام 2006، واعتمدتها منظمة “اليونسكو” عام 2009 كأول محمية سوريّة ضمن الشبكة العالمية لمحميات الإنسان والمحيط الحيوي. تحتضن المنطقة تنوعاً نباتياً وحيوانياً مميزاً، بما في ذلك أنواع نادرة من النباتات والطيور المهاجرة والمستوطنة.
تشتهر المنطقة بـ”الشعر النبطي” والأغاني التراثية الجنوبية مثل “الهجيني” و”الجوفية” و”العتابا” و”الدبكة الحورانية”، وهي عناصر من التراث الشفهي تشكل جزءاً مهماً من الهوية الثقافية للمنطقة.
تعرض عدد من المواقع الأثرية في “اللجاة” خلال سنوات الثورة لأعمال قصف وتخريب من قوات النظام البائد والميليشيات المتحالفة معه، مما ألحق أضراراً ببعض المعالم التاريخية.
ختاماً، “اللجاة” متحف طبيعي وآثاري يجسد تاريخ المنطقة الحافل بالتنوع والإبداع.