شبكة الحرس الثوري الإيراني: كيف بُنيت ترسانة عسكرية تمتد من الصين وروسيا إلى أوروبا؟


هذا الخبر بعنوان "من الصين وروسيا إلى أوروبا.. هكذا بنى “الحرس الثوري” الإيراني ترسانته العسكرية" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
كشفت وثائق وسجلات تجارية ومصرفية، في تحقيق أجرته وكالة “رويترز”، عن وجود شبكة عسكرية ومالية إيرانية واسعة تضم أكثر من 5000 كيان. تعمل هذه الكيانات تحت مظلة “الحرس الثوري” الإيراني ووزارة الدفاع، وتستخدم شركات واجهة ووسطاء في الخارج لاستيراد معدات ومكونات ضرورية لتصنيع الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، متجاوزة بذلك العقوبات الغربية والقيود المفروضة على طهران.
وفقاً للتحقيق المنشور في 29 تشرين الأول/ أكتوبر، استوردت هذه المنظومة معدات ومتفجرات وشاحنات ثقيلة بقيمة لا تقل عن ملياري دولار منذ كانون الثاني/ يناير 2025. تم ذلك عبر مسارات برية وبحرية وجوية، وبمشاركة موردين من الصين وروسيا ودول أوروبية، مما يدل على قدرة المؤسسات العسكرية الإيرانية على الحفاظ على سلاسل إمدادها رغم الضغوط العسكرية والاقتصادية.
تُظهر هذه الشبكة، التي ترتبط أجزاء منها بـ “الحرس الثوري” ومؤسسات اقتصادية شبه حكومية، وجود منظومة مشتريات موازية للاقتصاد الرسمي. تتيح هذه المنظومة لطهران تمويل احتياجاتها العسكرية من عائدات مبيعات النفط غير المشروعة، واستخدام وسطاء أجانب لتجاوز القيود المصرفية والتجارية.
بحسب تحقيق “رويترز”، تحمل الكيانات التي حددتها الوكالة أسماء تبدأ بالأحرف الفارسية “ودجا”، وهي اختصار لوزارة الدفاع الإيرانية، وتتخذ جميعها عنواناً واحداً في العاصمة طهران يعود إلى وزارة الدفاع وإسناد القوات المسلحة. كانت أسماء الوكالات تُدرج باستمرار بالأحرف الأولى لوزارة الدفاع بالفارسية (ودجا) متبوعة بخمسة أو ستة أرقام مكتوبة بالكلمات، مثل: “ودجا أربعمئة وأربعة وعشرون ألفا” أو ودجا 424000.
ورغم أن هذه الكيانات تسجل تاريخ تأسيسها في 11 شباط/ فبراير 1979، فإن السجلات التجارية تشير إلى أن معظمها تأسس فعلياً عام 2013، بالتزامن مع اشتداد العقوبات الغربية على إيران وتراجع صادراتها النفطية وانهيار عملتها.
توصل التحقيق إلى أن هذه الكيانات تشكل العمود الفقري لمنظومة المشتريات العسكرية الإيرانية، وتعمل من خلال شبكة من الوسطاء وشركات الواجهة الأجنبية، الذين يُعرفون باسم “الأمناء”، ويتولون شراء المعدات والسلع لصالح المؤسسات العسكرية الإيرانية. ومن أبرز الكيانات التي تتبعها التحقيق وكالة “ودجا 346428″، التي استوردت معدات عسكرية بقيمة 2.3 مليار دولار بين كانون الثاني/ يناير 2025 وحزيران/ يونيو 2026، وفق بيانات الاستيراد التي راجعتها الوكالة.
تشير السجلات إلى أن هذه الجهة استوردت مواد كيميائية ومتفجرات ومكونات تدخل في تصنيع وقود الصواريخ، إلى جانب شاحنات ثقيلة يمكن استخدامها منصات متحركة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة. كما أظهرت الوثائق أن أرقام هواتف مسجلة باسم 91 كياناً من الشبكة ظهرت في سجلات بنك سبه الحكومي المرتبطة بأفراد من الحرس الثوري لديهم حسابات في المصرف، ما يكشف عن صلات بين منظومة المشتريات العسكرية والمؤسسة الأمنية الإيرانية.
قال مياد مالكي، المسؤول السابق في وزارة الخزانة الأميركية، إن هذه الكيانات تمثل “شريان الحياة العسكري للنظام”، واصفاً إياها بأنها منظومة متكاملة للأعمال التجارية للجيش الإيراني.
لا تعتمد الشبكة الإيرانية على التحويلات المصرفية التقليدية لشراء المعدات من الخارج، بل تستخدم آليات مالية وتجارية يصعب تعقبها، عبر وسطاء وشركات مسجلة في دول مختلفة. باستخدام صور الأقمار الصناعية ووسائل التواصل الاجتماعي، تتبعت رويترز شاحنات إيفيكو إلى ساحة الجمارك هذه (في الوسط) على مشارف طهران في فبراير شباط 2025. ويستخدم الجيش الإيراني شاحنات إيفيكو كمنصات إطلاق ولنقل المعدات.
ووفق تحقيق “رويترز”، جرى تسوية 97 بالمئة من معاملات الشحنات التي راجعتها الوكالة من دون تحويل أموال عبر الحدود. إذ كان وسطاء إيرانيون مقيمون في الخارج يشترون السلع باستخدام أموال مودعة في بنوك أجنبية، ثم يتولون شحنها إلى إيران. تسمح هذه الآلية لطهران بتجنب إثارة الإنذارات المصرفية المرتبطة بالعقوبات، كما تتيح استخدام عائدات مبيعات النفط غير المشروعة لتمويل عمليات شراء المعدات العسكرية.
أظهرت الوثائق أن 36 كياناً من الشبكة كانت تمتلك حسابات بالعملات الأجنبية لدى بنك سبه، بلغت ودائعها نحو 1.2 مليار دولار بنهاية عام 2024، فيما امتلكت بقية الكيانات أرصدة بالعملة المحلية بلغت نحو 1.8 مليار دولار. وقال نوام بينستوك، كبير المحللين في شركة “240 أناليتكس”، التي ساعدت “رويترز” في تحديد الشبكة، إن حجم الأموال التي تمر عبر هذه الجهات كبير، وإنها تمثل بنية تحتية خفية للالتفاف على العقوبات الدولية.
لم تتمكن “رويترز” من العثور على دليل يشير إلى إدراج أي من الكيانات التي حددتها في التحقيق على قوائم العقوبات الغربية، رغم ارتباطها بمنظومة المشتريات العسكرية التابعة لوزارة الدفاع الإيرانية.
تكشف بيانات الاستيراد أن شبكة المشتريات الإيرانية لا تعتمد على مصدر واحد لتأمين احتياجاتها، بل تستخدم مسارات تجارية متعددة تشمل الصين وروسيا وآسيا الوسطى ودولاً أوروبية. عرضت إيران هذه الشاحنة من طراز إيفيكو تي-واي خلال عرض بمناسبة يوم الجيش في أبريل نيسان 2025، بثته وسائل الإعلام الرسمية. واستورد الجيش الإيراني المئات من شاحنات إيفيكو خلال السنوات القليلة الماضية.
تضمنت الشحنات مواد كيميائية تدخل في تصنيع وقود الصواريخ الصلب، وصواعق تفجير، وأجزاء لمحركات الطائرات، ومكونات إلكترونية، إلى جانب التيتانيوم والنيتروسليلوز ومعدات صناعية دقيقة يمكن استخدامها في تصنيع الصواريخ والطائرات المسيّرة. ومن الصين، وصلت شحنات من المواد الكيميائية المستخدمة في تصنيع وقود الصواريخ والمتفجرات، فضلاً عن 93 طناً من التيتانيوم الخام في شباط/ فبراير 2026، وهو معدن يمكن استخدامه في تصنيع هياكل الصواريخ وأغلفة محركاتها.
أما روسيا، فأرسلت شحنات من صواعق التفجير بقيمة إجمالية بلغت 7.6 مليون دولار منذ بداية عام 2025، بينها شحنة بقيمة 1.9 مليون دولار وصلت في حزيران/ يونيو 2026، وفق بيانات الاستيراد. ولم تقتصر الإمدادات على هذين البلدين، إذ أظهرت السجلات وصول شاحنات ومكونات لمحركات طائرات وإلكترونيات بمئات الملايين من الدولارات من ألمانيا ومناطق أخرى في الاتحاد الأوروبي، رغم العقوبات الأوروبية المفروضة على وزارة الدفاع الإيرانية.
من بين هذه الواردات شاحنات من شركة “إيفيكو” الإيطالية بقيمة 34 مليون دولار، قالت رويترز إن بعضها وصل إلى إيران عبر وسطاء وشركات تجارية. ونقلت الوكالة عن شركة “إيفيكو” قولها إن الموزعين المعتمدين ملزمون بضمان عدم استخدام منتجاتها لأغراض عسكرية أو محظورة، مضيفة أنها لا تملك السيطرة على المنتجات التي تنقلها أطراف ثالثة لا تربطها بها علاقات تعاقدية مباشرة. كما نفت شركة “تويوتا” مشاركتها في عمليات الشراء التي أوردها التحقيق، وقالت إنها لا تمارس أعمالاً في إيران ولا تعلم بهذه المشتريات. وفي المقابل، قالت وزارة الخارجية الصينية إنها ليست على علم بالوضع الذي وصفه التحقيق، ورفضت ما اعتبرته محاولات للربط بين الأعمال القتالية في المنطقة والصين.
أحد أبرز ما كشفه التحقيق هو استمرار وصول المعدات إلى إيران خلال الحرب التي بدأت في 28 شباط/ فبراير 2026، رغم استهداف الولايات المتحدة وإسرائيل لمنشآت مرتبطة ببرامج الصواريخ والطائرات المسيّرة، وفرض واشنطن حصاراً بحرياً على السفن الإيرانية. تشير بيانات الاستيراد إلى أن الواردات العسكرية تراجعت بنسبة 47 بالمئة في آذار/ مارس 2026، لتصل إلى 54 مليون دولار مقارنة بالشهر السابق، لكنها ارتفعت بحلول أيار/ مايو إلى 77 مليون دولار.
كما وصلت شحنة روسية من صواعق التفجير في حزيران/ يونيو، فيما استمرت عمليات نقل المعدات عبر سفن الشحن في بحر قزوين، والشاحنات القادمة من آسيا الوسطى، وطائرات الشحن من الصين. وسجلت البيانات أيضاً واردات عسكرية بقيمة 27 مليون دولار من الإمارات منذ اندلاع الحرب، وصلت معظمها عبر البحر، بحسب التحقيق. ولم تعلق الحكومة الإماراتية على هذه الشحنات عندما طلبت رويترز ردها.
قال بيتر سالزبري، الباحث في جامعة كولومبيا والمتخصص في سلاسل توريد الأسلحة الإيرانية، إن البيانات تشير إلى جهد واسع لإعادة بناء الترسانة الحالية من الصواريخ والطائرات المسيّرة، مضيفاً أنها تظهر قدرة المنظومة الإيرانية على التكيف وإيجاد مسارات جديدة.
لا تقتصر أهمية الشبكة على تأمين المعدات التجارية والصناعية، بل ترتبط مباشرة باحتياجات البرامج العسكرية الإيرانية، ولا سيما الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة. ظهرت هذه الشاحنة من طراز تويوتا لاند كروزر أيضاً في عرض بمناسبة يوم الجيش الإيراني، وهي تحمل مدفعا مضادا للطائرات. واستورد الجيش الإيراني المئات من شاحنات إيفيكو خلال السنوات القليلة الماضية. وتشير بيانات الاستيراد إلى أن الكيان “ودجا 346428” استورد أطناناً من المواد الكيميائية التي تدخل في تصنيع وقود الصواريخ، فضلاً عن صواعق تفجير ومكونات لمحركات الطائرات ومعدات صناعية دقيقة.
كما استورد مئات الشاحنات الثقيلة من طراز “إيفيكو”، وآلاف الشاحنات والمركبات من طرازي “تويوتا هايلوكس” و”لاند كروزر”، التي يمكن تعديلها لتكون منصات متحركة لإطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة أو لنقل المعدات العسكرية. وتتبعت رويترز بعض شاحنات “إيفيكو” المستوردة إلى ساحة للجمارك على مشارف طهران، باستخدام صور الأقمار الصناعية ومقاطع الفيديو المنشورة على وسائل التواصل الاجتماعي، كما طابقت أرقام تعريف بعض المركبات مع بيانات الاستيراد.
وجد التحقيق أيضاً أن إحدى الصفقات التي جرت عام 2022 تضمنت شراء ست شاحنات من طراز “إيفيكو يوروكارجو” عبر تاجر سيارات إيراني مقيم في إيطاليا، قبل شحنها إلى شركة في دبي ثم إلى ميناء بندر عباس، وصولاً إلى الجهة العسكرية الإيرانية المستوردة. وارتبطت الشاحنات في نهاية المطاف بشركة “تندر صحرا”، التي تؤدي دوراً في تصنيع وتوريد الطائرات المسيّرة الإيرانية، والتي فرضت عليها الولايات المتحدة عقوبات عام 2024 بسبب تصنيع وتوريد مسيّرات إلى روسيا.
في هذا السياق، قال خبراء أسلحة وعقوبات اطلعت عليهم رويترز إن المواد المستوردة يمكن أن تدخل في تصنيع وإطلاق الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، بما فيها مسيّرات “شاهد”. لكن التحقيق أشار إلى أن بعض المواد والمعدات مزدوجة الاستخدام، وأنه لم يكن ممكناً تحديد الاستخدام النهائي لكل الشحنات بصورة مستقلة.
توضح هذه الشبكة أن الضغوط العسكرية والاقتصادية على إيران لم تمنع مؤسساتها الدفاعية من مواصلة تأمين احتياجاتها من الخارج. بل إن طهران طورت منظومة مشتريات تعتمد على الوسطاء والشركات الواجهة وتعدد مصادر التوريد، مما يمنح برامجها العسكرية قدرة أكبر على الاستمرار والتكيف مع القيود الدولية. وبذلك، لا تتمثل المشكلة بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها في حجم الترسانة الإيرانية الموجودة فحسب، بل أيضاً في قدرة المؤسسات العسكرية الإيرانية على إعادة تزويدها بالمكونات والمواد اللازمة للإنتاج، حتى في ظل الحرب والحصار والعقوبات.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة