سياسة

فاجعة درعا: دروس أردنية سورية لتعزيز العلاقات وتجاوز الأزمات

حرية برس١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٢:٤٤ م2 مشاهدة
فاجعة درعا: دروس أردنية سورية لتعزيز العلاقات وتجاوز الأزمات

تنويه

هذا الخبر بعنوان "دروس من فاجعة درعا لعلاقات الأردن وسوريا" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

استدعت وزارة الخارجية السورية السفير الأردني لديها في الثامن والعشرين من أكتوبر لتسليمه مذكرة احتجاج على الضربات الأردنية على درعا، والتي تسببت في كارثة إنسانية وأثرت سلبًا على مسار العلاقات السورية الأردنية خلال العامين الماضيين. ومن المفارقات المؤلمة للسوريين أن يكون سفير الأردن أول من تستدعيه سوريا الجديدة، وأن يحدث هذا الاستدعاء في اليوم نفسه الذي استقبلت فيه دمشق رئيس وزراء العراق. هذه هي طبيعة السياسة وإكراهاتها، ولكن يجب التعامل معها كفرصة لسوريا والأردن لاستخلاص الدروس من فاجعة درعا ومعالجة نقاط الضعف التي أدت إليها، بالإضافة إلى الإدارة الفورية لهذه المأساة التي أدت إلى تفاقم الأمور أكثر مما ساعدت في إصلاحها.

قبل الخوض في الدروس المستفادة، من الضروري التأكيد على حقيقة مهمة، وهي أن الحفاظ على قوة العلاقات السورية الأردنية يجب أن يكون أولوية قصوى للبلدين في هذه المرحلة. وقد تجلى ذلك بوضوح في سياق المعالجة الذي بدأ بالبيان الثاني الصادر عن الأردن على لسان المتحدث باسم الحكومة، والذي أعرب فيه عن أسفه لسقوط ضحايا مدنيين، ثم البيان السوري الأردني المشترك الذي صدر في اليوم نفسه، مؤكدًا على أهمية احتواء التداعيات وتشكيل لجنة مشتركة لهذا الغرض. وصولًا إلى خطوة استدعاء السفير الأردني، والتي تبدو إلى حد كبير منفصلة عن سياق المعالجة، نظرًا لكونها استجابة لضغط الرأي العام السوري، لكنها تظل مكملة لسياق الاحتواء.

ما تحتاجه سوريا والأردن، حكومات ورأي عام، هو الهدوء ومعالجة ما خلفته هذه القضية بسرعة واستخلاص الدروس منها. ومع ذلك، لا ينبغي أن تقتصر المعالجة على التحركات السياسية فحسب، بل الأهم أن تشمل معالجة الألم الكبير الذي سببته الضربات الأردنية للمجتمع في جنوبي سوريا تحديدًا.

هناك مجموعة من الدروس المهمة التي يمكن استخلاصها من هذه القضية، ويمكن تلخيص أهمها في ثلاثة دروس:

  1. الدرس الأول: التنسيق السياسي والأمني بين سوريا والأردن في التعامل مع الملف الأمني في الجنوب السوري، والذي بدا مرتبكًا وغير مفهوم في الواقع خلال هذه القضية. وقد عزز هذا الارتباك عدم ذكر البيان الأردني الثاني لوجود تنسيق بين سوريا والأردن بشأن الضربات، على عكس البيان الأول الذي أصدره الجيش الأردني، فضلًا عن البيان الذي أصدرته الخارجية السورية، والذي لم ينفِ فحسب وجود تنسيق مسبق، بل وصف الضربات الأردنية بأنها انتهاك مرفوض للأجواء السورية. لا نعلم تمامًا ما إذا كان التنسيق المسبق غير موجود بالفعل، أو أن تراجع الأردن عن التمسك برواية التنسيق يرجع إلى محاولة احتواء القضية وعدم إحراج حكومة الرئيس أحمد الشرع في الداخل السوري، لكن حتى لو افترضنا السيناريو الثاني، فإن الارتباك في إدارة سوريا والأردن لهذه القضية واضح. لا نتحدث هنا عن أهمية التنسيق في تقييم هذه القضية وحدها، بل لأنها قد تكون بداية لمخطط يستهدف تسميم العلاقات السورية الأردنية عبر ملف الأمن في الجنوب.
  2. الدرس الثاني: وهو الأكثر أهمية، يتمثل في الإدارة الإعلامية والسياسية لقضية من هذا النوع. وقد أفسدت هذه الإدارة الأمور أكثر مما أصلحتها، وأطلقت العنان لرأي عام غاضب للتعبير عن غضبه بطريقة حولت القضية إلى شرخ كبير بين رأيين عامين في سوريا والأردن. لا نتحدث هنا عن الحاجة إلى سلطة حكومية للتأثير على تفاعلات الرأي العام، بل عن الإدارة الصحيحة التي تمنع أن تتحول تفاعلات الرأي العام إلى وضع يعقد على الإدارة السياسية التعامل مع هذه القضية. رصانة الخطاب السياسي والإدارة الإعلامية مسؤولية كبيرة في هذه الظروف، ولا تقل أهمية وتأثيرًا عن الدبلوماسية. حساسية العلاقات الأردنية السورية وملف الجنوب السوري تفرضان على الأردن وسوريا معًا النظر بعمق إلى أهمية رصانة الخطاب والإدارة الإعلامية لأي قضايا تمس هذه العلاقات في المستقبل.
  3. الدرس الثالث: يتمثل في معضلة كبيرة تواجه العلاقات السورية الأردنية، لا تتعلق فقط بمخاطر الملف الأمني في الجنوب السوري، بل بحقيقتين مهمتين: أولاهما أن العوامل المشكلة لهذا الملف خارجة عن إرادة البلدين أصلًا، وثانيتهما إسرائيل، التي تعمل على تعزيز بيئة أمنية مضطربة في الجنوب من خلال تقويض الحضور الأمني والعسكري للدولة السورية فيه، وهو ما يفسح المجال أمام نشاط تنظيمات متطرفة للبحث عن أرضية لها للعمل في المنطقة وتنفيذ أجنداتها. وعليه، فإن ما ينبغي توقعه الآن هو أن الملف الأمني قد يسلك مسارًا تصاعديًا، بحيث يشكل ضغطًا أكبر على العلاقات السورية الأردنية في المستقبل. وهذا يفرض أولوية كبيرة تتمثل في الاتفاق على استراتيجية سياسية وأمنية واضحة بين البلدين لإدارة هذا الملف ومخاطره المحتملة في المستقبل، بحيث لا تتكرر فاجعة درعا مرة أخرى.

تشكل العلاقة القوية بين الأردن وسوريا ركيزة أساسية في مواجهة مشاريع الفوضى في الجنوب السوري، والتي تعمل إسرائيل على تغذيتها لأغراض احتلالية. والجنوب السوري يشكل الدرع الأهم لكل من سوريا والأردن في التعامل مع هذه المشاريع. والحقيقة الثابتة هنا أن كلًا من سوريا والأردن بحاجة إلى استخلاص العبر من هذه الدروس، ليس فقط لاحتواء هذه القضية، بل استعدادًا لما يمكن أن يكون أسوأ في المستقبل.

المصدر: تلفزيون سوريا

شارك الخبر: