ثقافة

بوشكين والقرآن: قراءة نقدية لكتاب مالك صقور تستكشف التأثير الحضاري العميق

syriahomenews١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٥:١١ م1 مشاهدة
بوشكين والقرآن: قراءة نقدية لكتاب مالك صقور تستكشف التأثير الحضاري العميق

تنويه

هذا الخبر بعنوان "بوشكين والقرآن الكريم.. ومالك صقور" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

في إطار سعينا لتوثيق الدراسات الأدبية والنقدية التي تسلط الضوء على المشهد الثقافي، نعيد نشر هذه القراءة المتميزة للكاتب علي نفنوف حول كتاب الأديب والمترجم مالك صقور، «بوشكين والقرآن». نُشر هذا المقال لأول مرة في جريدة «الوحدة» عام 2018، ونستعيده اليوم ليس كخبر آني، بل كقراءة نقدية في عمل أدبي وفكري يتجاوز حدود الزمان. فالقراءات النقدية تحتفظ بقيمتها، خاصة عندما تتناول أعمالاً إبداعية وفكرية تفتح باب التأمل والحوار. لقد ارتأينا إعادة نشر المقال بصيغته الأصلية احتراماً لسياقه التاريخي، ولإتاحة الفرصة لجيل جديد من القراء للاطلاع عليه واستعادة الحوار الثقافي حول التفاعل بين الأدب الروسي والثقافة العربية والإسلامية.

بوشكين والقرآن الكريم.. ومالك صقور

بقلم: علي نفنوف

كانت علاقتي بالكاتب والأديب مالك صقور علاقة تقدير وشغف بالمعرفة. ورغم مكانته الرفيعة، كان صقور متواضعاً ومحباً للمعرفة، وقدّم لي كتابه «بوشكين والقرآن»، وهو عمل في الأدب المقارن. نشرت مقالاً نقدياً حوله في جريدة «الوحدة» عام 2018، ويسرني الآن إعادة نشره.

ينظر الروس إلى بوشكين ليس فقط كعبقري أدبي، بل كأحد أعظم رجالات روسيا. ينحدر بوشكين من عائلة نبيلة ومن أصل أفريقي. تحدث الفرنسية بطلاقة، وقرأ القرآن مترجماً بالفرنسية، وتأثر به وبالسيرة النبوية وقصص العرب. هذا التأثير كان محور دراسة مالك صقور في كتابه «بوشكين والقرآن»، الصادر عن دار الحارث بدمشق. جاء الكتاب في وقت تتشابك فيه العلاقات الدولية تحت مسمى صراع الحضارات. أظهر الكتاب، بفضل إتقان صقور للغة الروسية، كيف تتأثر الحضارات ببعضها، مستشهداً بقول الناقد بيلينسكي: «بوشكين شاعر كل الشعوب بكل العصور».

استعرض الكتاب كيف وصلت أخبار المشرق إلى أوروبا وروسيا، بدءاً من الفتوحات الإسلامية وحركة التجار العرب، مشيراً إلى كلمات عربية لا تزال مستخدمة في روسيا. كما تطرق إلى قصص عربية نُقلت إلى الروسية قبل عصر بطرس الأول، مثل قصة (فرعون ويوسف) و(لقمان الحكيم). في عهد القيصرة كاترين، نشطت الترجمة وتمت طباعة القرآن من العربية إلى الروسية، وهي الترجمة التي استخدمها بوشكين. كان هذا الاهتمام الروسي بأخبار العرب مدفوعاً برغبات القراء، وبفضل جهود المستعربين مثل كراتشكوفسكي.

تأثر بوشكين الأكبر جاء عندما نُفي إلى القفقاس، حيث خالط المسلمين وتأثر بعاداتهم. ملحمته الشعرية (روسلان ولودميلا) كانت مستوحاة من «ألف ليلة وليلة». كما تأثر بقصيدته (الطلمسان) التي تعني (التعويذة)، واسم (ليلى) في رومانسياته عربي واضح. وفي قصيدته (محاكاة العربي)، عبّر عن وفاء العربي المصري له، مرجحاً الكاتب تأثره بأصوله الشرقية. قصيدته (النبي) تعكس تأثره بالقرآن وسيرة الرسول محمد (ص)، مستلهماً من سورة فاطر.

يطرح الكتاب تساؤلات حول سبب محاكاة بوشكين للقرآن، مبيناً أن القرآن والسيرة النبوية كانا ملاذاً روحياً له في محنته. يرى بوشكين أن المحاكاة هي حافز لاكتشاف فضاءات جديدة، وهو رأي أيّده نقاد مثل بول فاليري. تتجلى المحاكاة في قصائده، حيث يأخذ أحياناً نص القرآن كاملاً، وأحياناً الفكرة، وأحياناً يكتب بروح القرآن وأسلوبه. هذه المقارنات تدل على إبحاره في عالم الإنسانية واتخاذه القرآن مثلاً في الصدق والعدل والخير.

يعود الكاتب ليعلل اهتمام بوشكين بالقرآن بأسباب عدة، منها الاهتمام العالمي بالمشرق العربي، وأصول بوشكين الشرقية، وموهبته الشعرية الفذة. يقول بوشكين: «إن العرب ألهموا ملامح العصور الوسطى، النشوة الروحية والرقة والحب ومناصرة الخير والبلاغة». كما يرى أن المناخ السياسي والاجتماعي والنفسي الذي عاشه الشاعر المضطهد والمنفي، جعله يجد في سيرة النبي الصبر والإلهام، وفي القرآن غذاء لروحه. قال بيلينسكي في قصيدته (محاكاة القرآن): «إنها ألماسة براقة في تاج بوشكين الشعري، وإن هذه القصيدة تعكس روح الإسلام وجمالية الشعر العربي».

تؤكد أسرة تحرير الموقع أن إعادة نشر هذه القراءة لا تغلق باب النقاش حول كتاب «بوشكين والقرآن»، بل هي دعوة لفتح نافذة على عمل أدبي وفكري يستحق التأمل، وعلى تجربة نقدية ما زالت تتيح مجالاً للحوار. فالنصوص النقدية، كالأعمال التي تتناولها، قد تحتفظ بقيمتها أو تكتسب دلالات جديدة مع مرور الزمن.

شارك الخبر: