اقتصاد

تحذير أمريكي من الاستثمار في سوريا: هل هي مخاوف اقتصادية أم ضغوط سياسية؟

الحل نت١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٢٨ م4 مشاهدة
تحذير أمريكي من الاستثمار في سوريا: هل هي مخاوف اقتصادية أم ضغوط سياسية؟

تنويه

هذا الخبر بعنوان "تحذير باراك من الاستثمار في سوريا.. مخاوف اقتصادية أم ضغوط سياسية؟" نشر أولاً على موقع الحل نت وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

أعادت تصريحات المبعوث الرئاسي الأميركي الخاص إلى سوريا والعراق، توم باراك، حول صعوبة الاستثمار في البلاد، إشعال النقاش حول حقيقة البيئة الاقتصادية السورية وقدرتها على جذب رؤوس الأموال الأجنبية بعد سنوات من الحرب والعقوبات. وصف باراك العثور على مستثمر مستعد لدخول السوق السورية بأنه “شبه مستحيل” في الظروف الراهنة، مستنداً إلى ضعف القطاع المصرفي، تقلبات العملة، المخاطر الأمنية، وطول فترة استرداد الاستثمارات. ومع ذلك، تكشف التطورات على الأرض عن مشهد أكثر تعقيداً يجمع بين تحديات هيكلية حقيقية ومحاولات فعلية لاستقطاب شركات دولية إلى قطاعات استراتيجية.

باراك بين التحذير ومحاولات جذب الشركات

جاءت تصريحات باراك خلال مشاركته في فعالية “Global Perspectives: In Doha” التي نظمتها شبكة “سي إن إن” في العاصمة القطرية، بمشاركة مسؤولين وشخصيات دولية، من بينهم رئيس الوزراء القطري. لم يقتصر حديث المبعوث الأميركي على تشخيص العقبات التي تواجه المستثمرين، بل تطرق أيضاً إلى اتصالات أجراها مع شركات عالمية، بينها إكسون موبيل، شيفرون، كونوكو فيليبس، وتوتال، لتشجيعها على دراسة فرص الاستثمار في سوريا، مما يشير إلى أن واشنطن لا تتعامل مع السوق السورية باعتبارها مغلقة بالكامل، بل تسعى إلى تهيئة ظروف تسمح بدخول الشركات إليها.

وأوضح باراك أن الاستثمارات المطلوبة في قطاعي النفط والطاقة تصل إلى مليارات الدولارات، وقد تحتاج إلى فترة تتراوح بين 10 و15 عاماً قبل تحقيق عوائدها. هذه المدة تعكس حجم المخاطر المرتبطة بالمشروعات الاستراتيجية في بلد لا تزال بنيته التحتية تعاني آثار سنوات النزاع، وتواجه مؤسساته المالية صعوبات في تمويل التجارة والتحويلات وتسوية المدفوعات الدولية.

لا تنفصل هذه المخاوف عن واقع القطاع المصرفي السوري، الذي يحتاج إلى تحديث أنظمته وتعزيز قدرته على التعامل مع المؤسسات المالية الدولية، فضلاً عن معالجة مخاطر الامتثال والعقوبات السابقة والقيود التي لا تزال تؤثر في قرارات الشركات والبنوك الأجنبية. كما تمثل هشاشة البيئة التنظيمية، وعدم وضوح بعض القواعد الاستثمارية، والمخاطر الأمنية والسياسية عوامل إضافية ترفع كلفة الاستثمار وتدفع الشركات إلى التريث قبل ضخ أموال كبيرة في مشروعات طويلة الأجل.

216 مليار دولار فاتورة التعافي وإعادة الإعمار

تكتسب هذه التحذيرات أهميتها من أن إعادة الإعمار لا تتعلق بمجرد إعلان اتفاقيات أو مذكرات تفاهم، بل بقدرة الاقتصاد على تحويلها إلى استثمارات ممولة ومشروعات قيد التنفيذ والإنتاج. قدّر البنك الدولي احتياجات التعافي وإعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وهو رقم يوضح اتساع الفجوة التمويلية وحجم الموارد المطلوبة لإعادة تأهيل البنية التحتية والقطاعات الإنتاجية.

لكن وجود هذه التحديات لا يعني أن الاستثمار الأجنبي غائب تماماً عن سوريا. فقد شهد عام 2026 تحركات لشركات دولية باتجاه قطاع الطاقة، وإن تفاوتت مراحل هذه التحركات بين اتفاقيات أولية ومذكرات تفاهم وأعمال تطوير ميدانية. ففي شباط/فبراير الماضي، وقعت شركة شيفرون الأميركية مذكرة تفاهم لاستكشاف النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية بالشراكة مع شركة قطرية. كما وقعت شركات توتال إنرجيز الفرنسية، وكونوكو فيليبس الأميركية، وقطر للطاقة اتفاقاً في أيار/مايو لاستكشاف فرص الطاقة البحرية.

حقول النفط.. من الاتفاقيات إلى التنفيذ

في القطاع البري، برزت تحركات شركة HKN الأميركية التي انتقلت إلى مرحلة أكثر تقدماً بتوقيع عقد طويل الأجل لتطوير سبعة حقول نفطية في منطقة رميلان. بينما توصلت كونوكو فيليبس ونوفاتيرا إلى اتفاقات للتعاون في تطوير حقول الغاز. وتكشف هذه التطورات عن وجود اهتمام دولي فعلي، لكنها لا تعني أن جميع الاتفاقيات تحولت إلى استثمارات منفذة أو أن تدفق رؤوس الأموال أصبح مضموناً.

وتشير قراءة تقرير مجموعة أكسفورد للأعمال عن الاقتصاد السوري لعام 2026 إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في تحويل مذكرات التفاهم والإعلانات الاستثمارية إلى مشروعات ممولة وقيد التشغيل، إذ لا تزال غالبية الاتفاقيات المعلنة بحاجة إلى استكمال الإجراءات الفنية والمالية والتنظيمية. وهذا يفسر جانباً من تحفظ باراك، لكنه يكشف أيضاً أن الحكم على مستقبل الاستثمار لا يمكن أن يستند إلى حجم الصعوبات وحده، بل يجب أن يأخذ في الاعتبار طبيعة المشروعات ومراحل تنفيذها والجهات المشاركة فيها.

في المقابل، تبدو الصورة أقل تشاؤماً في تقييم المؤسسات المالية الدولية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، عقب زيارة بعثته إلى دمشق في شباط/فبراير 2026، إلى أن النشاط الاقتصادي السوري يشهد تعافياً متسارعاً، مدفوعاً بتحسن ثقة المستهلكين والمستثمرين، وعودة اللاجئين، وزيادة إمدادات الكهرباء، وتحسن الاندماج الإقليمي وإزالة عدد من العقوبات الدولية. كما اعتبر الصندوق أن المشروعات الاستثمارية الجديدة تمثل عاملاً داعماً لآفاق النمو خلال عام 2026 وما بعده، مع التشديد على ضرورة تحسين الحوكمة وتقييم الالتزامات المالية المرتبطة بالمشروعات الكبرى.

المشروعات الصغيرة والمتوسطة بديل مهم

في قراءة لهذه التصريحات، يرى الباحث الاقتصادي يحيى السيد عمر أن وصف الاستثمار في سوريا بأنه “شبه مستحيل” لا ينبغي التعامل معه باعتباره تقييماً نهائياً وشاملاً للسوق، بل يجب فهمه في سياقه السياسي والاقتصادي، والرسائل التي تحملها التصريحات للحكومة السورية بشأن متطلبات جذب الاستثمارات الأجنبية والمشروعات الاستراتيجية الكبرى.

وقال عمر، في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، إن قطاعات المطارات والموانئ والطاقة والنفط والغاز تحتاج إلى رؤوس أموال ضخمة وفترات طويلة لتحقيق العوائد، لكن ذلك لا يعني غياب الفرص في بقية القطاعات، مشدداً على أهمية المشروعات الصغيرة والمتوسطة القادرة على تحريك الأسواق وتوفير فرص العمل وزيادة الإنتاج والدخل والإيرادات العامة.

وأضاف أن التركيز على البنية التحتية والطاقة يجب ألا يأتي على حساب الزراعة والصناعة، باعتبارهما ركيزتين لتعزيز الأمن الغذائي وتقليص الاعتماد على الاستيراد وتخفيف الضغط على العملات الأجنبية. واعتبر أن تعافي الاقتصاد السوري يتطلب تنشيط رأس المال المحلي، وتوسيع الشراكات العربية السورية، وتهيئة بيئة استثمارية مستقرة تضمن وضوح القواعد التنظيمية وتشجع النشاط الإنتاجي.

الإنتاج المحلي ركيزة لاستعادة قوة الليرة

تتفق هذه الرؤية مع ما طرحه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في تقريره الصادر في 22 كانون الثاني/يناير 2026 بشأن القطاع الخاص السوري، إذ أكد أن التعافي لا يمكن أن يعتمد على المشروعات الكبرى وحدها، وأن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والأنشطة الزراعية والصناعات التحويلية وسلاسل القيمة المحلية تمثل عناصر أساسية لتوليد فرص العمل وتحريك الأسواق، مشيراً إلى أهمية استثمارات المغتربين السوريين باعتبارها مصدراً محتملاً للتمويل والخبرات والروابط التجارية.

ومن زاوية أخرى، يطرح الخبير الاقتصادي جورج خزام مسألة حماية الإنتاج المحلي باعتبارها جزءاً من معالجة الاختلالات النقدية والاقتصادية. ويرى، في منشور عبر صفحته على “فيسبوك”، أن زيادة الإنتاج الصناعي والزراعي تمثل الغطاء الاقتصادي الحقيقي لليرة السورية، محذراً من أن فتح الأسواق أمام المستوردات دون توفير الحماية والظروف التنافسية المناسبة للمصانع والورش المحلية قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج وارتفاع البطالة وزيادة الطلب على العملات الأجنبية.

ويستند خزام في طرحه إلى أن قوة الدولار لا تقوم على وجود غطاء ذهبي، وإنما على الثقة بالاقتصاد الأميركي ومؤسساته ومكانته في التجارة الدولية. ويتفق ذلك مع الطبيعة القانونية للنقود الإلزامية، التي لا تستند إلى قابلية استبدالها بالذهب، وإن كانت قوة العملة تتأثر بعوامل متعددة تشمل الثقة والسياسة النقدية والقدرة الإنتاجية وحجم الاقتصاد، كما توضح بيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي أن النظام النقدي الأميركي لم يعد قائماً على قابلية تحويل الدولار إلى الذهب منذ عقود.

الاستثمار والتطبيع.. مسارات سياسية متداخلة

تتقاطع هذه النقاشات الاقتصادية مع رسائل سياسية أوسع حملتها تصريحات باراك في الدوحة، إذ تحدث أيضاً عن استعداد القيادة السورية لإقامة علاقة مختلفة مع إسرائيل والتوصل إلى تفاهمات تنهي حالة العداء، معتبراً أن الدبلوماسية والحوار يمثلان الطريق إلى تسوية طويلة الأمد. ولا يثبت هذا التزامن وجود رابط مباشر بين ملف الاستثمار وشروط التطبيع، لكنه يوضح أن واشنطن تتناول مستقبل سوريا ضمن مسارات متداخلة تشمل الأمن والسياسة والاقتصاد والعلاقات الإقليمية.

وعليه، فإن تصريحات باراك تحمل جانباً من التقييم الاقتصادي الذي تسنده تحديات موثقة، لكنها تأتي أيضاً في سياق سياسي تسعى فيه واشنطن إلى التأثير في مسار التحولات السورية وشروط الانفتاح الاقتصادي. ولا يمكن الجزم بأنها رسالة ضغط سياسي بحد ذاتها من دون أدلة إضافية على وجود شروط أو مطالب محددة مرتبطة بالاستثمار. ويبقى الاختبار الأهم أمام الحكومة السورية هو قدرتها على تحويل الاهتمام الدولي إلى تمويل فعلي ومشروعات منتجة، بالتوازي مع بناء قاعدة اقتصادية محلية تقلل الاعتماد على الاستثمارات الخارجية وحدها.

شارك الخبر: