سياسة

الانتخابات الإسرائيلية: ما وراء النتائج وتداعياتها الإقليمية على سوريا وإيران

حرية برس١ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:٣٨ م3 مشاهدة
الانتخابات الإسرائيلية: ما وراء النتائج وتداعياتها الإقليمية على سوريا وإيران

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الانتخابات الإسرائيلية وظلالها" نشر أولاً على موقع حرية برس وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن الانتخابات الإسرائيلية التي جرت في السابع والعشرين من أكتوبر/تشرين الأول 2026 مجرد تنافس تقليدي على رئاسة الحكومة، بل جاءت في سياق إقليمي شديد التعقيد، حيث تخوض إسرائيل حرباً مفتوحة مع إيران وتواصل عملياتها العسكرية وتوغلاتها في الأراضي السورية، متأثرة بتداعيات ما بعد السابع من أكتوبر. أسفرت النتائج عن مفارقة سياسية تمثلت في عجز بنيامين نتنياهو عن تأمين أغلبية لتشكيل حكومة بمفرده، حيث حصل معسكره على 53 مقعداً مقابل 48 لمعسكر غادي آيزنكوت، مما يضع إسرائيل أمام مرحلة من المفاوضات المعقدة أو حكومات ائتلافية هشة.

تكمن الأهمية الاستراتيجية لهذه الانتخابات في كشفها عن بنية المجتمع الإسرائيلي وموقفه من السياسات الأمنية المتبعة منذ هجمات السابع من أكتوبر. لم يتجه الناخبون نحو مراجعة جذرية للعقيدة الأمنية رغم الخلافات الحادة حول مسؤولية نتنياهو عن الإخفاق الأمني وإدارة الحرب ومستقبل الحكم. لم تكن المنافسة بين نتنياهو وآيزنكوت مواجهة بين معسكر سلام وآخر حرب؛ فآيزنكوت، رئيس الأركان السابق، لا يمثل تياراً يسارياً يدعو لتغيير سياسي جذري، بل يقود معارضين من الوسط واليمين يختلفون مع نتنياهو في طريقة إدارة الدولة والمؤسسات، لا في جوهر العقيدة الأمنية. هذا يعني أن سقوط نتنياهو السياسي، إن تحقق، لا يعقبه بالضرورة سقوط للنهج الأمني القائم على توسيع حرية العمل العسكري خارج الحدود والاحتفاظ بمناطق عازلة.

مع بلوغ نسبة المشاركة نحو 77.7%، وهي الأعلى منذ عام 1999، تجلت حالة الاستقطاب العميق، في حين حافظ نتنياهو على قاعدته الصلبة رغم خسارته للأغلبية البرلمانية المطلقة، مما يجعله رقماً صعباً في المشهد السياسي. وعلى الصعيد السوري، تكتسب نتائج الانتخابات أهمية استثنائية في ظل التغيرات الجذرية التي شهدتها البلاد منذ ديسمبر/كانون الأول 2024. لم تقتصر التحركات الإسرائيلية على استغلال الفراغ أو تغيير قواعد الاشتباك، بل تعدتها إلى تجاوز خطوط فض الاشتباك لعام 1974 والسيطرة على مواقع استراتيجية جبلية، وتنفيذ توغلات متكررة في ريف دمشق والقنيطرة ودرعا. هذا الواقع الميداني يضع السلطة السورية الجديدة أمام تحدٍ وجودي يتمثل في استعادة سيادة الدولة دون الانجرار إلى مواجهة عسكرية غير محسوبة.

تبرز فرضيتان أساسيتان حول مستقبل السلوك الإسرائيلي تجاه سوريا: الأولى، استمرار سياسة الأمر الواقع وتكريس الوجود العسكري الإسرائيلي في العمق السوري كمنطقة عازلة وضمانة أمنية في حال ترميم نتنياهو لائتلافه اليميني المتشدد. الثانية، التحول نحو تفاوض أمني منتظم إذا أفضت المفاوضات إلى تشكيل حكومة بقيادة آيزنكوت أو ائتلاف وسط-يمين معتدل، مما يفتح قنوات دبلوماسية وأمنية لبحث ترتيبات ضبط الحدود والانتشار العسكري. ورغم أن هذا المسار قد يخفض حدة التوتر الميداني، فإنه لا يعني انسحاباً إسرائيلياً كاملاً أو اعترافاً بالسيادة السورية بالشروط المطلوبة. الاختبار الحقيقي لدمشق يكمن في إدراك أن تغيير الأشخاص في تل أبيب لا يغير الاستراتيجية الإسرائيلية، مما يحتم بناء موقف تفاوضي مدعوم بأوراق إقليمية لرفض تحويل الاحتلال المؤقت إلى واقع دائم.

شكل الملف الإيراني محوراً مركزياً في الانتخابات الإسرائيلية، إذ استخدمه نتنياهو لإثبات جدارته الأمنية، بينما اتخذه خصومه مدخلاً لمساءلته عن إدارة الصراع ومحدودية الإنجازات الاستراتيجية. ورغم توقف الضربات العسكرية المباشرة بين الجانبين منذ يونيو/حزيران الماضي بضغط أميركي، فإن الحرب لم تنتهِ. تتعدد مسارات انعكاس مفرزات الانتخابات على الجبهة الإيرانية: بين استمرار النهج الهجومي في حال بقاء نتنياهو وحلفائه، مما يفتح الباب أمام مزيد من التصعيد المحتمل والضربات الاستباقية ضد البنى التحتية أو الأذرع الإقليمية إذا تعثر المسار الدبلوماسي؛ وبين إدارة أضيق للمواجهة في حال وصول شخصيات مثل آيزنكوت، عبر التركيز على ضرب القدرات النوعية بدلاً من السعي المباشر لتغيير النظام مع الحفاظ على الهدف الاستراتيجي المتمثل بمنع امتلاك السلاح النووي.

في المقابل، يثير بقاء حكومة تصريف برئاسة نتنياهو مخاوف إقليمية من لجوء تل أبيب إلى مغامرات عسكرية كبرى لقطع الطريق على أي تسويات. يبقى العامل الأميركي محدداً كابحاً، إذ لا تبدو إدارة واشنطن متحمسة لحرب إقليمية مفتوحة، مما يربط قدرة أي حكومة إسرائيلية مقبلة على توسيع نطاق الحرب بالتنسيق معها وحسابات الكلفة الإقليمية الباهظة. خلاصة القول، لا تعكس نتائج الانتخابات الإسرائيلية تحولاً جذرياً في استراتيجية تل أبيب الإقليمية؛ فسقوط نتنياهو، إن حدث، لن يمحو العقيدة الأمنية القائمة على التدخل العسكري الاستباقي وفرض المناطق العازلة وملاحقة النفوذ الإيراني. بالنسبة لسوريا، يبقى الرهان الحقيقي مرتبطاً بقدرة الدولة على تعزيز جبهتها الداخلية وتثبيت مؤسساتها لمواجهة محاولات فرض الأمر الواقع الإسرائيلي، مع إدراك أن تداخل الساحة السورية بالحسابات الإيرانية الإسرائيلية يجعل أي تسوية مشروطة بقدرة دمشق على حماية استقرارها بمعزل عن ساحات الصراع الإقليمي. المصدر: المجلة

شارك الخبر: