سياسة

الهوية السورية: من تجربة المملكة العربية إلى تحديات الانتداب الفرنسي

syria.tv٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٦:١٤ ص2 مشاهدة
الهوية السورية: من تجربة المملكة العربية إلى تحديات الانتداب الفرنسي

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الهُوية السورية أواخر العهد الفيصلي وأوائل فترة الانتداب الفرنسي" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تكن فترة المملكة العربية السورية (1918-1920) مجرد مرحلة سياسية عابرة، بل كانت مختبرًا حقيقيًا لتجسيد الهوية السورية من مفاهيم نخبوية إلى واقع مؤسساتي وسياسي. على الرغم من الضغوط العسكرية والسياسية وإرث الحرب العالمية الأولى، عملت الحكومة العربية في دمشق بجد لإثبات قدرة السوريين على إدارة شؤونهم وتأسيس دولة قانون ومواطنة.

سعت الحكومة إلى بناء جيش وطني سوري جديد، ليس فقط للدفاع، بل كتعبير عن السيادة الوطنية. ضم الجيش ضباطًا سوريين وعربًا ذوي خبرة من المؤسسة العسكرية العثمانية، وعملت الحكومة على تنظيم التدريب وصياغة عقيدة وطنية تتجاوز الولاءات الفئوية. كما أولت اهتمامًا كبيرًا بالتعليم، فشهدت الفترة تعريب المناهج في معهد الحقوق والمدرسة الطبية، وتأسيس المجمع العلمي العربي عام 1919 لرعاية اللغة العربية والبحث العلمي. رُفع العلم العربي السوري بألوانه ونجمته البيضاء، واعتُمد نشيد وطني يعبر عن التطلع للاستقلال.

اقتصاديًا وماليًا، أسست الحكومة إدارة مالية سورية، وعملت على تنظيم الجباية والضرائب وبناء نظام جمركي مستقل عن التبعية العثمانية، بهدف توفير الموارد اللازمة لترميم البنية التحتية المتضررة من الحرب. في مجال الصحة والرعاية الاجتماعية، واجهت وزارة الصحة أزمات المجاعة والأوبئة، وعملت على تنظيم المستشفيات والرعاية الاجتماعية للتخفيف من آثار سنوات الحرب والمجاعة.

في الوقت الذي كانت فيه دمشق تخوض معركتها السياسية، نشأت حركة مقاومة مسلحة في الشمال السوري ضد التمدد الفرنسي، بقيادة شخصيات مثل إبراهيم هنانو في جبل الزاوية، وصالح العلي في جبال الساحل، وصبحي بركات في أنطاكية. كانت القوات الفرنسية متواجدة بالفعل في الساحل السوري، ولم تدخل قوات الجيش العربي سوى المناطق الداخلية.

رأى الثوار السوريون في الحركة القومية التركية بقيادة مصطفى كمال حليفًا طبيعيًا لمواجهة العدو الفرنسي المشترك. فتح الثوار خطوط إمداد وتنسيق عسكري مع القوات الكمالية، وشاركوا في معارك جنوب الأناضول، مقدمين الدعم للجبهة الشمالية ضد القوات الفرنسية. هذا التداخل بين الهوية السورية والعثمانية كان واضحًا في هذه المرحلة.

لكن أوهام التضامن تبددت مع توقيع الحكومة الكمالية اتفاقية أنقرة مع فرنسا عام 1921، والتي تخلت فيها عن السوريين ولواء إسكندرونة مقابل اعتراف فرنسي بسلطتهم وتأمين حدودهم. شكلت هذه الاتفاقية خذلانًا للثورة السورية الشمالية، حيث أوقفت القوات الكمالية دعم الثوار وضيقت عليهم. أدى هذا إلى تشتت الثورة الشمالية أمام الآلة العسكرية الفرنسية.

عانى إبراهيم هنانو من ملاحقة فرنسية شديدة، متنقلًا بين المدن والقرى حتى اعتقاله وتسليمه للسلطات الفرنسية. جرت محاكمته الشهيرة في حلب عام 1922، والتي تحولت إلى محاكمة للاحتلال نفسه، وانتهت بتبرئته تحت ضغط الغضب الشعبي.

أثر خذلان الكماليين بشكل عميق على الوعي السياسي السوري، مسببًا قطيعة نفسية وسياسية مع الشمال. أدرك السوريون أن الإرث العثماني والرابطة الإسلامية قد سقطا عمليًا أمام المصالح القومية التركية الضيقة. دفع هذا النخب والثوار إلى التركيز على بناء وتحديد الهوية الوطنية السورية المتمايزة، في مواجهة الاستعمار الفرنسي والوعود التركية المهدورة.

تحول إبراهيم هنانو ورفاقه إلى رموز قومية جامعة، واعتُبرت تجربتهم دليلًا على أن الوطنية السورية أصبحت قضية وجود وكرامة. استثمر الكماليون الرابطة الإسلامية لخدمة مصالحهم ثم تخلوا عنها. كانت التجربة الفيصلية، بما رافقها من بناء مؤسساتي وهزات، المحطة التي انتزعت فيها الهوية السورية استقلالها المفاهيمي. خرج السوريون مدركين أن وطنهم لن يبنيه إلا أبناؤه، وأن هويتهم صُلبت بالتضحيات الذاتية.

استمر النضال ضد محاولات تقسيم البلاد إلى كيانات طائفية، حيث ترافقت الثورات مع المفاوضات والإضرابات والكلمة، ممهدة الطريق نحو الاستقلال.

شارك الخبر: