سوريا محلي

أمهات محرومات من أطفالهن وطلاب يعملون: معاناة الأسر السورية بين القانون وواقع النفقة المحدودة

Syria 24٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٧:٣٥ م1 مشاهدة
أمهات محرومات من أطفالهن وطلاب يعملون: معاناة الأسر السورية بين القانون وواقع النفقة المحدودة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "نفقات لا تكفي للمعيشة وأمهات محرومات من أطفالهن.. معاناة بين القانون والواقع" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

لم تعد المدرسة جزءاً من يوم ابن سعاد، البالغ من العمر 13 عاماً. فبدلاً من الجلوس على مقاعد الدراسة، يعمل في سوق الهال مقابل أجر شهري يتراوح بين 50 و60 دولاراً، ليساعد والدته وشقيقتيه في تأمين احتياجات المنزل. وتحصل والدته على نفقة شهرية تبلغ 50 دولاراً، تنفقها بالكامل على إيجار منزل صغير تقيم فيه مع أطفالها، فيما لا يكاد دخل ابنها يكفي لشراء الخبز والشاي وبعض الضروريات. تقول سعاد، المعروفة بأم خالد، والبالغة 45 عاماً، لـ”سوريا بلس”: “لا شيء في المنزل سوى الخبز.. أنا مطلقة ومريضة لا أستطيع العمل”. وتعيش سعاد، المنحدرة من ريف معرة النعمان الشرقي، ظروفاً صحية تمنعها من العمل، بينما تعتمد الأسرة على النفقة ودخل ابنها لتأمين احتياجاتها اليومية. وتتشابه ظروفها مع شهادات نساء أخريات تحدثن لـ” سوريا بلس ” عن صعوبة المعيشة بعد الطلاق، في ظل مبالغ نفقة محدودة وارتفاع تكاليف السكن والغذاء والتعليم.

أطفال خارج المدارس وضغوط معيشية

تأتي تجربة ابن سعاد في وقت يواجه فيه ملايين الأطفال السوريين صعوبات في مواصلة تعليمهم، فبحسب الت تقرير السنوي لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف” لعام 2025، بلغ عدد الأطفال خارج المدارس في سوريا نحو 2.45 مليون طفل، فيما يواجه أكثر من مليون آخر خطر التسرب. وتشير المنظمة إلى أن الانقطاع عن التعليم يزيد مخاطر تعرض الأطفال للعمل والاستغلال، في ظل الظروف الاقتصادية والاجتماعية الصعبة. وفي الجانب المعيشي، أظهرت بيانات برنامج الأغذية العالمي عن حزيران 2026 ارتفاع تكلفة سلة الحد الأدنى للإنفاق بنسبة 33% مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق. كما لم يكن الحد الأدنى الرسمي للأجور يغطي سوى 47% من قيمة السلة خلال الفترة ذاتها، وفق البيانات الاقتصادية المنشورة. ولا تحدد هذه المؤشرات عدد الأطفال الذين تركوا الدراسة بسبب النزاعات الأسرية أو ضعف النفقة، لكنها توضح جانباً من الضغوط الاقتصادية والتعليمية التي تواجه الأسر السورية.

75 دولاراً ومستقبل جامعي ينتظر الدعم

في ريف حماة الشمالي، تواجه دعاء الفرج، البالغة 48 عاماً، صعوبات في تغطية احتياجات أسرتها من نفقة شهرية تبلغ 75 دولاراً. وتستعد ابنتها لدخول الجامعة هذا العام، فيما تقول دعاء إن الأب يلتزم بالمبلغ المحدد قضائياً دون تقديم مساعدة إضافية. ولسد النقص، تعمل أحياناً في الأراضي الزراعية مقابل أجر، محاولة تأمين جزء من نفقات المنزل ومستلزمات أبنائها. وتقول لـ”سوريا بلس”: “أضطر أحياناً للعمل في الأراضي الزراعية مأجورة لأؤمن جزءاً من مصروف البيت، ولا أحب قدوم الأعياد لما يرافقها من هموم تأمين اللباس والحلويات التي نسينا شكلها”. وتضيف الأعباء الجامعية المرتقبة مصاريف جديدة إلى ميزانية الأسرة، في وقت تحاول فيه دعاء التوفيق بين نفقات المعيشة اليومية واحتياجات أبنائها التعليمية.

كيف تُحدد النفقة قانونياً؟

يقول المحامي ياسر البطّال لـ”سوريا بلس” إن قضايا الطلاق والنفقة تشكل جانباً واسعاً من الدعاوى المنظورة أمام محاكم الأحوال الشخصية في شمال سوريا. ويوضح أن تقدير النفقة يستند إلى الوضع المالي للزوج واحتياجات المستفيدين منها، إلى جانب الظروف الاقتصادية السائدة. ويضيف أن النفقة تشمل الطعام والملبس والسكن والعلاج والتعليم، فيما تستحق الزوجة النفقة خلال استمرار عقد الزواج وفق الشروط القانونية، حتى إن كانت تمتلك دخلاً خاصاً. أما بعد الطلاق، فتخضع نفقة الزوجة خلال العدة لأحكام تختلف عن نفقة الأطفال، التي تبقى حقاً مستقلاً لهم ولا تسقط لمجرد انتهاء العلاقة الزوجية، بحسب البطّال. وفي حال امتناع الزوج عن دفع النفقة المحكوم بها، يشير إلى إمكانية مراجعة دائرة التنفيذ للمطالبة بالمبالغ المستحقة. ويوضح أن الإجراءات القانونية قد تشمل الحجز على الأموال أو وسائل تنفيذ أخرى، وفق طبيعة الحكم والضوابط المعمول بها. كما يشير إلى أن دعاوى النفقة تحظى بمعاملة مستعجلة، نظراً لارتباطها بالاحتياجات المعيشية الأساسية. غير أن سعاد ودعاء تتحدثان عن صعوبة تغطية النفقات اليومية بالمبالغ المقررة، حتى مع حصولهما على النفقة الشهرية.

فاطمة.. ثلاث سنوات دون لقاء أطفالها

بعيداً عن أعباء النفقة، تعيش فاطمة، البالغة 27 عاماً، معاناة مختلفة منذ انفصالها عن أطفالها الثلاثة قبل ثلاث سنوات. وكان أصغر أطفالها رضيعاً في شهره الخامس عندما افترقت عنه، فيما تقول إنها لم تتمكن من رؤية أي منهم منذ ذلك الحين. وتقيم فاطمة في منزل والدها، الذي تروي أنه يرفض تواصلها مع طليقها وأسرته أو إحضار الأطفال إلى المنزل. وتقول لـ”سوريا بلس”: “والدي يرفض تماماً أن أحضر أطفالي معي، بحجة أن النفقة الشحيحة لا تكفي حتى لطفل واحد، وأن العائلة غير مجبرة على الإنفاق عليهم في ظل هذه الظروف المعيشية القاسية”. وتوضح أن الضغوط العائلية حالت دون اتخاذها خطوات للمطالبة بحضانة أطفالها، دون أن يتضح من شهادتها وجود أحكام قضائية سابقة تتعلق بالحضانة أو تنظيم الزيارة. وتضيف: “حتى دمعتي على فراق أطفالي ممنوع عليّ إظهارها أمام أهلي.. وليس بيدي حيلة سوى الصبر”. وبينما تواجه سعاد ودعاء صعوبة تأمين احتياجات أطفالهن، تنتظر فاطمة فرصة تتيح لها لقاء أبنائها بعد سنوات من الغياب.

آمال تتجاوز قيمة النفقة

تختلف ظروف النساء الثلاث، لكن لكل واحدة منهن أملاً يرتبط بحياة أطفالها ومستقبلهم، فسعاد، التي تعتمد على عمل ابنها لتأمين الطعام، تأمل أن تتحسن ظروف أسرتها بما يسمح له بترك سوق الهال والعودة إلى المدرسة. أما دعاء، فتواصل العمل كلما أتيحت لها الفرصة، لتأمين احتياجات أبنائها ومساعدة ابنتها على بدء دراستها الجامعية. وفي المقابل، لا تتحدث فاطمة عن مصاريف الدراسة أو أعباء الإيجار بقدر ما تستعيد في حديثها سنوات غياب أطفالها، وأصغرهم الذي فارقته وهو رضيع. وبين أمنية العودة إلى مقاعد الدراسة، وحلم الوصول إلى الجامعة، وانتظار لقاء طال ثلاث سنوات، تتمسك الأمهات الثلاث بآمال بسيطة لم تتحقق بعد. وبالنسبة إلى فاطمة، يبقى الأمل الأقرب إلى قلبها أن يأتي يوم تستطيع فيه رؤية أطفالها، دون أن تضطر إلى إخفاء دموعها عن أحد.

شارك الخبر: