الداكل الألماني: من كلب صيد إلى أيقونة ثقافية وسياسية في ألمانيا


هذا الخبر بعنوان "ألمانيا: الداكل .. كيف تحول كلب صغير إلى رمز ثقافي وسياسي في ألمانيا؟" نشر أولاً على موقع aksalser.com وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بينما اشتهر بابلو بيكاسو بمصادر إلهامه المتعددة، والتي غالباً ما كانت نساءً ارتبط بهن بعلاقات معقدة، كان أحد أبرز ملهميه كلبه "لومب" من فصيلة الداكل الألماني. الداكل، المعروف عالمياً باسم الداشهند، هو سلالة تتميز بجسمها الطويل وأرجلها القصيرة، وكانت تُستخدم تقليدياً في صيد الحيوانات التي تعيش داخل الجحور. قبل أن يصبح رفيقاً لبيكاسو، كان لومب مملوكاً للمصور الصحفي الأمريكي ديفيد دوغلاس دونكان، الذي زار الفنان الإسباني في عام 1967. يروي دونكان أن لومب قفز إلى حضن بيكاسو عند لقائهما الأول، وبدا وكأنه اختار البقاء معه. بالفعل، عاش لومب مع بيكاسو طوال السنوات الست الأخيرة من حياته. خلد بيكاسو صورة الكلب على طبق خزفي في يوم لقائهما الأول، بينما وثّق دونكان هذه اللحظات في مجموعة من الصور الفوتوغرافية.
يمكن مشاهدة الطبق الخزفي وصور دونكان في معرض "الداكل. أيقونة تخرج في نزهة" في قاعة بريمن للفنون. يظهر لومب أيضاً في عدة لوحات من "سلسلة لاس مينيناس" لبيكاسو، حيث استبدل كلب الحراسة الكبير في لوحة دييغو فيلاسكيز الأصلية بكلب الداكل الذي تبناه. تتميز سلالة الداكل بصورتها الظلية المميزة التي لا تخطئها العين، بأذنيها الطويلتين وجسمها الطويل مقارنة بأرجلها القصيرة. تقول المنسقة الفنية للمعرض، آنيت ريكيرت، إن الداكل "كلب ذو شكل أيقوني وهو ما يجعله مثيراً للاهتمام في نواحٍ عديدة".
إلى جانب بيكاسو، قام فنانون بارزون آخرون بتخليد ذكرى كلب الداكل، منهم آندي وارهول، أوتو ديكس، ديفيد هوكني، ماكس ليبرمان، وروزماري تروكل. وتضيف ريكيرت أن الداكل يظهر في أعمالهم "كمصدر إلهام أو كنموذج أو كشريك في المرسم". لكن دور الداكل يتجاوز كونه موضوعاً فنياً؛ فهو يروي جزءاً من التاريخ الثقافي الألماني، حيث يُربط بـ"شيء ألماني".
يُعد الداكل من أقدم سلالات الكلاب الألمانية، وقد تم تربيته في الأصل لصيد حيوانات الغرير الأوروبي والثعالب والأرانب. وهو موجود في ألمانيا منذ أكثر من 300 عام، وتم تحديد المعايير الأولى للسلالة في عام 1879، وتأسس "نادي الداكل الألماني" في عام 1888. يُعرف الداكل أيضاً باسم "تيكل" في لهجات شمال ألمانيا، ويُطلق عليه بالإنجليزية "Dachshund"، ولكنه اشتهر بألقاب شعبية مثل "كلب النقانق" أو "كلب فيينا" لشبهه بنقانق فيينا.
لم يكن الداكل مجرد كلب صيد، بل أصبح رمزاً متجذراً في التاريخ الثقافي الألماني. فقد كان أحياناً رمزاً للثقل البرجوازي، وأحياناً أخرى رمزاً أولمبياً. كان القيصر فيلهلم الثاني من عشاق الداكل، وقد تسببت كلباه "فادل" و"هيكسل" في حادثة دبلوماسية صغيرة عام 1908 عند اصطيادهما طائر فاسان ثمين في قصر كونوبيشتي.
خلال الحرب العالمية الأولى، تحول الداكل إلى رمز يرتبط بألمانيا في المخيلة الشعبية، حيث استُخدم في الملصقات الدعائية والرسوم الساخرة للدلالة على ألمانيا، على غرار تمثيل بريطانيا بالبولدوغ وفرنسا بالبودل. ومع تصاعد المشاعر المعادية لألمانيا في الولايات المتحدة، تراجعت شعبية الكلب، حتى إن البعض أطلق عليه اسم "Liberty Hound" (كلب الحرية) بدلاً من "داشهند".
خلال الحرب العالمية الثانية، برز كلب الراعي الألماني كسلالة مفضلة في ألمانيا النازية، بينما لم يحظَ الداكل بنفس المكانة. توضح أمينة المعرض أن شكل الداكل وطبيعته لم يتماشيا مع الصورة التي كان النظام النازي يسعى لإظهارها عن القوة والهيبة، مفضلاً الكلاب الكبيرة مثل كلب الراعي الألماني الذي كان أدولف هتلر يظهر معه.
في مطلع سبعينيات القرن الماضي، تحول الداكل إلى رمز يعكس صورة ألمانيا الجديدة. فقد اكتسب الكلب "فالدي" شهرة عالمية بعد اختياره تميمة رسمية لدورة الألعاب الأولمبية في ميونيخ عام 1972. صُمم "فالدي" من قبل أوتل آيشر وإيلينا شفايغر، وكان يمثل قطيعة مع الرموز المرتبطة بالحقبة النازية، مجسداً قيم الانفتاح والتفاؤل والبهجة وروح الحياة. تجنب المصممون الألوان المرتبطة بالنازية أو ألوان العلم الألماني التقليدية، مفضلين الألوان الباستيلية الفاتحة لتقديم صورة مختلفة لألمانيا.
لم تختفِ القيمة الرمزية السياسية لكلب الداكل تماماً؛ فما زالت الجماعات اليمينية المتطرفة تحاول استغلاله كرمز قومي خفي. وفي المقابل، تشكلت حركات مضادة مثل "الداكل ضد اليمين". لكن ما يهم المنسقة في معرضها هو جانب الود وحب الحياة وروح الدعابة لدى هذه السلالة، حيث تم تخصيص أجزاء من المعرض للكلاب الصغيرة وزوارها من ذوي الأرجل الأربعة. ترى ريكيرت أن ردود الفعل على المعرض تنسجم مع الصورة الودية للداكل، وتتلقى باستمرار رسائل وصوراً وأعمالاً فنية تتعلق بهذه السلالة، مما يجعل المعرض يحظى بترحيب وتفاعل غير مسبوق.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة