الشراكة السعودية السورية: من الاتفاقيات إلى التنفيذ الفعلي.. هل حانت اللحظة؟


هذا الخبر بعنوان "الشراكة السعودية السورية.. هل تنتقل الاتفاقيات إلى مرحلة التنفيذ؟" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تكتسب زيارة الرئيس أحمد الشرع إلى المملكة العربية السعودية أهمية اقتصادية بالغة، في ظل الاتفاقيات والمشاريع التي تم توقيعها سابقاً بين البلدين، والتي تطرح فرصاً واعدة للتعاون في قطاعات حيوية مثل الاتصالات والطيران والمياه. ومع ذلك، فإن نجاح هذه الشراكة يبقى مرهوناً بقدرة الطرفين على الانتقال من مرحلة توقيع العقود والتفاهمات إلى التنفيذ الفعلي للمشاريع، وتوفير البيئة الداعمة لاستمراريتها.
يرى عميد كلية الاقتصاد في جامعة اللاذقية، الدكتور عبد الهادي الرفاعي، في تصريح لصحيفة “الوطن”، أن العلاقات الاقتصادية السورية السعودية تشهد تحولاً نوعياً، حيث تنتقل من التفاهمات السياسية إلى التنفيذ التجاري، مدعومة بالزيارة الحالية للرئيس الشرع إلى السعودية والاتفاقيات الموقعة في شباط 2026. ويؤكد الرفاعي أن أهمية الزيارة لا تقتصر على ما سيتم توقيعه خلالها، بل تمتد لتشمل طبيعة الوفد المرافق للرئيس الشرع والجهات التي سيلتقي بها، حيث يضم الوفد وزراء الخارجية والدفاع والمالية والصناعة، بالإضافة إلى رئيس الاستخبارات. وهذا التشكيل يشير إلى أن المفاوضات تتجاوز المشاريع الاقتصادية لتشمل ضمانات أمنية وتنسيقاً سياسياً، نظراً لأن الاستقرار الأمني يُعد شرطاً أساسياً للاستثمار السعودي في سوريا.
على نطاق أوسع، شهدت العلاقات الاقتصادية بين البلدين تحضيراً مسبقاً خلال الأشهر الستة الماضية. ففي تموز 2025، وقع الجانبان 47 اتفاقية استثمارية بقيمة تقارب 24 مليار ريال سعودي خلال منتدى الاستثمار في سوريا. وفي شباط 2026، أبرمت السعودية وسوريا في دمشق حزمة من العقود الاستراتيجية، وُصفت بأنها الأوسع منذ استئناف العلاقات. وبحسب الرفاعي، فإن زيارة الرئيس الشرع الحالية إلى الرياض تمثل دفعة قوية على أعلى المستويات السياسية لتنفيذ العقود الموقعة بالفعل.
مشاريع في قطاعات البنية التحتية الحيوية
يحدد الرفاعي ثلاث خصائص تميز الاتفاقيات السعودية السورية: أولاً، تركيز الاستثمارات على النقاط الحيوية في البنية التحتية بدلاً من المشاريع الصغيرة والمتفرقة، حيث دخلت السعودية مباشرة في مجالات حيوية وربحية في سوريا. ويبرز في هذا السياق مشروع «سيلك لينك» الذي فازت به شركة الاتصالات السعودية STC باستثمار يقارب مليار دولار، ويتضمن مد كابلات ألياف بصرية بطول يزيد على 4500 كيلومتر وبناء مراكز بيانات، بهدف تحويل سوريا إلى مركز لنقل البيانات بين أوروبا وآسيا. ويرى الرفاعي أن هذا المشروع لا يمثل استثماراً تجارياً فحسب، بل يربط سوريا بالبنية التحتية الرقمية العالمية.
ثانياً، تحديد الشركات التي ستتولى تنفيذ المشاريع بدلاً من الاكتفاء باتفاقيات إطارية عامة. فتتولى شركة STC قطاع الاتصالات، بينما ترتبط شركة «فلاي ناس» (Flynas) بقطاع الطيران من خلال تأسيس «ناس سورية» مع الجانب السوري. وتتولى شركة «أكوا باور» (ACWA Power) مشاريع تحلية المياه ونقلها. ويشير الرفاعي إلى أن هذه الشركات السعودية الخاصة أو شبه الحكومية لديها دوافع تجارية واضحة، مما يزيد من احتمالية التنفيذ مقارنة بالاتفاقيات الحكومية البحتة.
ثالثاً، إزالة العوائق المالية كنقطة انطلاق لتحويل الاتفاقيات إلى أموال فعلية. فقد تم الإعلان عن إنشاء صندوق «إيلاف»، والتأكيد على تفعيل القنوات المصرفية بين البلدين. وبالنسبة لسوريا، التي لا تزال تحت ضغط العقوبات، فإن وجود صندوق استثماري مخصص وقنوات للتحويل المالي يشكل، بحسب الرفاعي، شرطاً أساسياً لتحويل الاتفاقيات إلى استثمارات فعلية.
مشاريع بدأت التحرك وأخرى تنتظر التنفيذ
على صعيد انتقال الاتفاقيات إلى مشاريع ملموسة، يشير الرفاعي إلى وجود مؤشرات إيجابية على بدء تحرك بعض المشاريع، رغم استمرار التحديات. ففي قطاع الطيران، استؤنفت الرحلات السعودية إلى سوريا، وتم إطلاق «ناس سورية» كشركة طيران اقتصادية مشتركة. أما في القطاع العقاري، فإن مشروع «أبيات» السعودي (Abyat) في ريف دمشق قيد التنفيذ، ويعد أحد المشاريع القليلة التي دخلت مرحلة البناء الفعلي.
في المقابل، لا تزال مشاريع أخرى في مرحلة الترسيخ. فمشروع «سيلك لينك»، رغم فوز شركة STC بالعقد، يحتاج إلى دورة بناء طويلة تشمل مد الكابلات وإنشاء مراكز البيانات. وفي قطاع المياه، تتضمن مذكرة التفاهم الموقعة مع شركة «أكوا باور» خططاً لإنشاء محطات لتحلية المياه على الساحل ونقلها إلى الجنوب، لكنها لا تزال في مرحلة إعداد خريطة الطريق، ولم تبدأ أعمال البناء الفعلية حتى الآن.
الاستقرار التشريعي والدعم السياسي
يربط الرفاعي انتقال هذه المشاريع إلى مرحلة التنفيذ بتوافر شروط رئيسة، في مقدمتها الاستقرار التشريعي والمالي، حيث تحتاج الشركات السعودية إلى ضمانات لحماية أصولها في سوريا. ورغم توقيع البلدين اتفاقية لحماية الاستثمار في آب 2025، فإن إنفاذها الفعلي لا يزال بحاجة إلى اختبار. كما يشكل استمرار الدعم السياسي السعودي عاملاً مهماً في استمرارية الاستثمارات، فمصلحة الرياض في سوريا لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تشمل أيضاً اعتبارات جيوسياسية، وبالتالي فإن أي تغير في الوضع الإقليمي قد ينعكس على وتيرة الاستثمار.
ويخلص الرفاعي إلى أن زيارة الرئيس الشرع إلى الرياض رفعت العلاقات الاقتصادية بين البلدين من المستوى الوزاري إلى مستوى القمة، إلا أن العلاقات الاقتصادية السورية السعودية لا تزال في مرحلة البداية الجدية لكنها هشة. ويؤكد أن معيار النجاح لا يتمثل في عدد الاتفاقيات التي ستُوقّع خلال الزيارة الحالية، بل في مدى قدرة مشروع «سيلك لينك» على بدء العمل فعلياً، وإمكانية انطلاق أعمال بناء أول محطة تحلية تابعة لشركة «أكوا باور». وحتى يتحقق ذلك، يمكن القول إن الشراكة بدأت، لكن لا يمكن الجزم بأنها تحققت بعد.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد