ثقافة

التكية السليمانية: عودة معلم دمشق الأثري بعد سنوات من الإهمال والتشويه

جريدة الوطن٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١١:٥٨ ص2 مشاهدة
التكية السليمانية: عودة معلم دمشق الأثري بعد سنوات من الإهمال والتشويه

تنويه

هذا الخبر بعنوان "عين على الوطن: “التكية السليمانية”.. المعلم الأثري الذي تحرّر من هيمنة أسماء الأسد" نشر أولاً على موقع جريدة الوطن وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

عادت "التكية السليمانية"، الواقعة في قلب العاصمة السورية دمشق، إلى الواجهة مجدداً بعد أن تعرضت للإهمال والخراب في عهد النظام السابق. تم قبل أيام افتتاح مسجد "التكية" بعد 15 عاماً من إغلاقه، وذلك عقب استكمال أعمال الترميم والتأهيل، في إطار الجهود المبذولة للحفاظ على المعالم الدينية والتراثية وإحياء الإرث الحضاري لمدينة دمشق.

تُعد "التكية السليمانية" أكثر من مجرد معلم أثري، فهي لوحة فنية معمارية تجسّد ذروة الفن المعماري العثماني بلمسات شامية أصيلة. تتميز بقبابها الشامخة وأروقتها الواسعة وصحنها الذي يعج بعبق الحرف اليدوية، وتحكي قصة مجمع متكامل أُسس لخدمة الإنسان والروح معاً.

أشهر المعالم العثمانية

تُعتبر "التكية السليمانية"، أو "تكية السلطان سليم الأول"، معلماً تاريخياً بارزاً في قلب دمشق. بُنيت على مراحل بين عامي 1554 و1559 بأمر من السلطان "سليمان القانوني". تبلغ مساحتها حوالي 11 ألف متر مربع، وتضم مسجدين، ومتحفاً، ومدرسة، وسوقاً للحرف اليدوية. تُعد من أشهر المعالم العثمانية في بلاد الشام، وأُقيمت على ضفاف نهر بردى كبديل لـ "القصر الأبلق" أو "قصر الظاهر بيبرس" الذي هدمه "تيمورلنك". أشرف على بنائها المهندس التركي معمار سنان بالتعاون مع المهندس الفارسي ملا آغا والدمشقي شهاب الدين أحمد بن العطار، على نمط "التكية السليمانية" في "القسطنطينية".

أهداف الإنشاء ووظائفها المتعددة

أنشئت "التكية" لتكون مكاناً لأداء الفروض الدينية واستراحة للحجاج، وزُودت بمطابخ واسعة ومخابز وغرف للاستراحة ومُصليات وبحرات للوضوء، بالإضافة إلى خدمات ضرورية أخرى للمسلمين. كما كانت مكاناً لإقامة طلبة العلوم الدينية وملاذاً للفقراء والمحتاجين.

تحولات تاريخية

بعد فرض الانتداب الفرنسي على سوريا عام 1920، تحولت "التكية" إلى دار للمعلمين، وتوقفت عن استضافة النزلاء. مع افتتاح "الجامعة السورية" عام 1923، أصبح جزء منها مقراً لتدريس طب الأسنان، ثم مطبعة لمجلة "الشرطة". في أعقاب حرب عام 1948، أمر رئيس الجمهورية آنذاك شكري القوتلي بإعادة فتحها لإيواء آلاف اللاجئين الفلسطينيين الوافدين إلى دمشق، فعادت إليها حلقات العلم وتحفيظ القرآن الكريم.

في زمن الوحدة السورية المصرية عام 1959، استُخدمت غرف "التكية" مقراً لمتحف دمشق الحربي. وفي منتصف سبعينيات القرن الماضي، فُتحت أبوابها لأرباب المهن اليدوية الدمشقية العريقة مثل "البروكار"، والحفر على الخشب وتطعيمه، والصناعات الفضية، والزجاج اليدوي، وصناعة العاج والصدف وغيرها.

الهندسة المعمارية

تبلغ مساحة "التكية السليمانية" أحد عشر ألف متر مربع، وتتألف من كتلتين معماريّتين متصلتين ومتشابهتين، تحيط بهما أسوار منخفضة تخترقها ثلاثة أبواب. البوابتان الرئيسيتان تقعان في المحورين الشرقي والغربي، تماشياً مع طريق الحجاج ومجرى نهر بردى. أما البوابة الثالثة فهي أصغر حجماً، يتقدمها رواق وتعلوه قبة مطلة على نهر بردى من جهة الشمال.

تضم الكتلة الجنوبية الكبرى مبنى "التكية" الرئيسي، والجامع، والمطبخ، والمستودعات. تتوسطها بركة مستطيلة تُغذّيها نوافير عمودية كانت تستخدم للوضوء، وقد كُسيت بأحجار وردية وسوداء متناوبة. يقع في جنوبها جامع يتميز بمئذنتين توأمين رشيقتين تنتهيان بشكل مخروطي، مما يمثل انحرافاً عن طراز المآذن الدمشقية المعروفة. واجهة الجامع مبنية من المداميك البيضاء والسوداء المتناوبة. الحرم مربع الشكل، يتميز بجمال قبّته ومنبره الذي يُعد من روائع الفنون التطبيقية، بالإضافة إلى جمال ألواح الخزف القيشاني التي تزين أعلى النوافذ، وتمثل الورود والأزهار وتشابك سعف النخيل مع الأوراق النباتية.

في جانبي صحن المبنى، توجد أروقة مسقوفة بقباب صغيرة، وخلفها غرف كبيرة مسقوفة بقباب أكبر. يتوسع صحن المبنى ليشمل قسم الخدمات الذي يتوسطه المطبخ، وتعلوه أربع قباب ذات فتحات للتهوية. يتصل بكل جانب من جانبي المطبخ غرفتان مربعتا الشكل، يعلو كل منهما سقف هرمي مقطوع في أعلاه، وقد استُخدمت هاتان الغرفتان كمستودع ومخبز، بينما استُخدمت الغرفتان الأخريان للقيّم على المنشأة.

أما الكتلة الشرقية الصغرى فتضم المدرسة، وشُيّدت بين عامي 1566 و1574. لها ثلاثة أبواب ثانوية، وباب رئيسي في الجهة الشمالية يؤدي إلى صحن المدرسة الذي تتوسطه بحيرة تشبه بحيرة مبنى "التكية السليمانية". في جنوب هذه الكتلة يقع مصلى المدرسة، وهو مربع الشكل تعلوه قبة كبيرة وجميلة، تزينه ألواح الخزف القيشاني والنوافذ الجصية المطعّمة بألواح الزجاج الملون. كانت القبة فوق رقبة مائلة وتتألف من اثني عشر ضلعاً، تخترقها اثنتا عشرة نافذة جصية ذات ألواح زجاجية ملونة. وهناك اثنتا عشرة غرفة تتقدمها الأروقة وتعلوها القباب، موزعة على جنبات المبنى الأربع حول الصحن. تقوم هذه الأروقة على أعمدة رشيقة وقصيرة، وتبلغ أبعاد كل غرفة 6 × 6 أمتار.

يصل بين الكتلتين سوق كانت مخصصة لقوافل الحجاج، تمتد لمسافة 85 متراً من أقصى شرقها إلى أقصى غربها. تصطف على جانبيها عشرات المحال ذات القباب المنخفضة، تتقدمها أروقة ظليلة بقناطر مزخرفة. كانت هذه المحال في السابق حوانيت تجارية، وتحولت منذ سبعينيات القرن العشرين إلى محال للحرف اليدوية.

تتجلى الآثار الهندسية العثمانية في التخطيط والبناء، بينما تطغى اللمسة الفنية الدمشقية على تصاميم الأبواب والنوافذ والزخارف التي تزين جدران وغرف المكان. في الجهة الجنوبية من "التكية" وعلى طرفي المسجد الرئيسي، توجد مقبرة تحوي مدافن بعض السلاطين العثمانيين وعائلاتهم، ولا تزال قائمة حتى الآن.

تشويه وتجريد

في مطلع عام 2023، أنذرت وزارة السياحة في حكومة النظام البائد مستأجري "التكية السليمانية" بإخلاء محالهم وإغلاقها بشكل نهائي بغرض ترميم "التكية". لكن الحكومة كانت قد قامت قبل ذلك بثلاث سنوات بإغلاق أربعين متجراً في "التكية الصغرى"، ثم استولت عام 2023 على المحال المئة في "التكية الكبرى" في سوق المهن اليدوية، لتصبح جميع محال "التكية" تحت إشرافها.

بعد فترة قصيرة، تبين أن مشروع الترميم تقوم به "الأمانة السورية للتنمية"، التي تتبع لأسماء الأسد، والتي قررت الهيمنة والاستيلاء على "التكية" وطرحها للاستثمار بعقد طويل الأمد لمصلحتها الشخصية. لم تقم زوجة الرئيس المخلوع بالترميم بقدر ما شوهت هذا المبنى الذي يحظى بمكانة مرموقة في قلوب أهل دمشق. أضافت "الأمانة" إلى المبنى إنشاءات بيتونية ضخمة، وأنشأت المطاعم والبارات، وقصّت الأشجار المعمرة، مما جرد المكان من أهميته وعراقته كمعلم أثري وديني، وطمست هويته التاريخية وأزالت منه مهناً وصناعات نادرة.

عودة الروح

اليوم، وبعد أن نفضت "التكية السليمانية" غبار سنوات الجور والتشويه، تثبت مجدداً أن الحجارة الكريمة التي حفرها التاريخ لا تموت. عودة الروح إلى هذا المعلم العريق تُعد انتصاراً للذاكرة الدمشقية الحية على كل محاولات الطمس والاستيلاء. لتظل "التكية"، رغم كل جراح العبث، نافذة تطل منها دمشق على أمجادها، وشاهداً أبدياً على إرث الحضارة.

شارك الخبر: