سياسة

الرقابة البرلمانية في سوريا: تحديات الخبرة المستقلة وغياب المساءلة الفعالة

syria.tv٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ٠٤:٢٢ ص2 مشاهدة
الرقابة البرلمانية في سوريا: تحديات الخبرة المستقلة وغياب المساءلة الفعالة

تنويه

هذا الخبر بعنوان "الخبرة المستقلة والرقابة البرلمانية في سوريا" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٦ تشرين الثاني ٢٠٢٦.

لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.

يواجه البرلمان السوري تحديات جوهرية في ممارسة الرقابة الفعالة على أداء الحكومة، حيث تظل الإجابات الرسمية للوزراء، رغم استيفائها شكليًا، بعيدة عن التحقق الفعلي. تكمن المشكلة الأساسية في افتقار البرلمان إلى أساس مستقل لتقييم المعلومات المقدمة، مما يجعل جلسات الاستماع أشبه باختبار لقدرة الوزير على الإقناع أكثر من كونها وسيلة للتحقق من صحة المعلومات. فالرقابة البرلمانية ليست مجرد اختصاص قانوني، بل هي قدرة مؤسسية تتطلب كوادر بشرية ومعرفة فنية وإمكانية وصول مستقلة للمعلومات.

تتمثل المشكلة الأساسية في عدم التكافؤ المعلوماتي بين السلطتين التنفيذية والتشريعية. فالوزارات هي الجهة الوحيدة التي تمتلك السجلات التفصيلية لأدائها، وعندما يعتمد البرلمان على هذه المواد وحدها، فإنه يتبنى تعريف الحكومة للمشكلة ومؤشراتها. وللتغلب على ذلك، لا يلزم أن تأتي المعلومات من خارج مؤسسات الدولة، بل يمكن لجهاز البحوث البرلمانية أو هيئة تدقيق مستقلة أن تؤدي هذا الدور. المعيار الأساسي هو امتلاك البرلمان القدرة على اختبار ادعاءات الوزارات دون الاعتماد الحصري عليها.

يجب التمييز بين الخبرة والأدلة؛ فوجود أي منهما لا يكفي لتحقيق مساءلة فعلية. فالأدبيات البحثية تشير إلى سهولة تجاوز مرحلة التقييم النقدي للأدلة، وأن الاستخدام الرمزي أو التكتيكي للبحوث هو النمط الأكثر رصدًا. وتُعدّ الكوادر البحثية المتخصصة لدى اللجان البرلمانية عاملًا مساعدًا، بينما يشكل عدم توافر المعلومات في الوقت المناسب عائقًا.

الإصلاح الحقيقي يبدأ من داخل المؤسسة البرلمانية. فبدلاً من الاعتماد على مستشارين خارجيين، يمكن إنشاء جهاز بحثي دائم يضم كوادر مهنية متخصصة لخدمة أعضاء المجلس، مما يتيح مقارنة المصادر واكتشاف ما أغفلته المعلومات المقدمة. وتكون الخبرة الخارجية أكثر فائدة عندما يستطيع البرلمان تكليف جهات متخصصة بمهام محددة وتقييم نتائجها بصورة مستقلة.

تثير جلسات الاستماع إشكالية اختيار المشاركين. فالكفاءة الفنية لا تمنح صاحبها تفويضًا للتحدث باسم جماعة، والتجربة المباشرة توفر أدلة لا يمكن للتحليل المتخصص أن يحل محلها. ومع ذلك، فإن إشراك مختلف الأطراف يعزز الشرعية الإجرائية، بينما تظل مهمة تحليل الأدلة مهمة تحليلية مستقلة. المعيار العملي هو الإفصاح عن المصالح واعتماد معايير شفافة لاختيار المشاركين.

تتطلب المساءلة التمييز بين وظائف الرقابة، وتقديم التفسيرات، والاستجابة، والجزاء. وتسهم الأدلة في تعزيز الرقابة والقدرة على مطالبة المسؤولين بتقديم التفسيرات، أما تحولها إلى استجابة مؤسسية فيعتمد على تعاون الحكومة والحوافز السياسية والصلاحيات المؤسسية وآليات المتابعة.

في سوريا، تكتسب هذه الفروق أهمية خاصة في ظل الإطار الدستوري القائم. فبموجب الإعلان الدستوري، يمتلك مجلس الشعب صلاحيات عقد جلسات استماع للوزراء وإقرار الموازنة، لكنه لا يمتلك سلطة إيقاع الجزاءات عليهم، حيث ينفرد رئيس الجمهورية بتعيينهم وإعفائهم. وهذا يزيد من أهمية الاستناد إلى الأدلة والوقائع التي جرى التحقق منها.

تتفاقم الصعوبة في المرحلة الانتقالية السورية لسببين: افتقار البرلمان للمعلومات التي تحتفظ بها السلطة التنفيذية، وعدم اكتمال المعلومات المتوافرة لدى السلطة التنفيذية ذاتها. ويتجلى ذلك في عرض وزارة المالية لموازنة عام 2026 قبل اطلاع المجلس عليها. وحين تحتفظ الحكومة بمعلومات لا يمتلكها البرلمان، تساعد الخبرة المستقلة على التحقق منها؛ أما عندما تكون السجلات غير مكتملة لدى الطرفين، فإنها تساعد على إعادة بناء القاعدة المعلوماتية والإثباتية اللازمة لممارسة الرقابة.

يوفر النظام الداخلي للبرلمان أدوات يمكن الاستفادة منها، مثل توفير الدعم البحثي، والسماح لغير الأعضاء بحضور اجتماعات اللجان، والاستماع إلى شهادات الخبراء. وعلى المستوى العملي، يمكن للجان البرلمانية الحصول على الوثائق الوزارية، وتكليف جهات مستقلة بتقييمها، والاستعانة بالمحللين البرلمانيين. ويُقاس نجاح هذه العملية بمدى فحص أوجه التباين والتناقض في المعلومات.

لا تنتقص الاستعانة بالخبرات المستقلة من المسؤولية البرلمانية، بل توسع القاعدة المعلوماتية والإثباتية التي تستند إليها قراراتهم، مما يعزز الرقابة على الوزراء والممارسة المدروسة لصلاحيات المجلس. فالبرلمان الذي يعتمد على رواية السلطة التنفيذية لتقييم أدائها لا يستطيع التحقق بصورة مستقلة من صحة ما يُقدَّم إليه.

شارك الخبر: