بعد هزيمة ترامب: أنقرة تعيد ترتيب أولوياتها وتختبر نفوذها في واشنطن


هذا الخبر بعنوان "أنقرة بعد هزيمة ترامب: إعادة ترتيب الأولويات واختبار النفوذ" نشر أولاً على موقع syria.tv وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ تشرين الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يمهد فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلسي النواب والشيوخ الأميركيين لمرحلة جديدة من التوازنات داخل الولايات المتحدة، ويضع الرئيس دونالد ترامب أمام قيود مؤسسية وسياسية أكبر خلال ما تبقى من ولايته. لا يُقرأ هذا التحول في أنقرة من زاوية ما خسره ترامب وحده، بل من زاوية ما يمكن أن يتغير في العلاقة التركية ـ الأميركية، وما الذي سيبقى محكوماً بحسابات المصالح الاستراتيجية بين البلدين.
تدرك تركيا أن العلاقة الشخصية بين الرئيسين رجب طيب أردوغان ودونالد ترامب أتاحت قنوات اتصال وتفاهم لم تكن متوفرة بالسهولة نفسها في مراحل سابقة، لكنها تعرف أيضاً أن هذه القناة لم تنجح في تجاوز جميع الخلافات، ولا سيما في ملفات الدفاع والتسليح والعقوبات. لذلك، لا يبدو التحدي التركي في الحفاظ على التواصل مع البيت الأبيض فحسب، بل في توسيع دائرة التأثير داخل المؤسسات الأميركية، وفي مقدمتها الكونغرس والحزب الديمقراطي، من دون التفريط بالمساحة التي وفرتها العلاقة مع ترامب. هنا يتجاوز الاختبار حدود العلاقة الثنائية.
فالتطورات الأميركية تأتي في لحظة إقليمية ودولية تتداخل فيها ملفات إيران وغزة وسوريا وأوكرانيا وشرق المتوسط، وتبحث فيها قوى المنطقة وبينها تركيا عن إعادة ترتيب علاقاتها مع واشنطن وتنويع خياراتها. تدرك أنقرة أن استعادة الديمقراطيين السيطرة على مجلسي النواب والشيوخ تعني أن ترامب سيدير العامين الأخيرين من ولايته في ظل معارضة مؤسسية أوسع، بما قد يحد من قدرته على تمرير أولوياته الداخلية، ويزيد أهمية التوازنات التشريعية والرقابية في إدارة الملفات الخارجية. فكيف ستتعامل مع رئيس أميركي تراجعت قوته السياسية، وتضمن في الوقت نفسه ألا يصبح رهانها على العلاقة الشخصية معه مصدرَ قيد على خياراتها الأوسع في واشنطن؟ وهل سيكون الرهان على الفرص التي وفرتها لها الكثير من الملفات والتحولات والتموضع الإقليمي والدولي، من غزة وسوريا إلى أوكرانيا والبحر الأسود وشرق المتوسط، وتحالفات مكة وبدر، فضلاً عن مسارات الحوار وخفض التصعيد المرتبطة بإيران؟
اختار الرئيس أردوغان في أول تعليق له التريث، معتبراً أن الوقت لا يزال مبكراً لإصدار أحكام قاطعة، ومشدداً على عمق العلاقات التركية ـ الأميركية واستمرار الحوار مع الإدارة الأميركية ومجلسي النواب والشيوخ. ولم تكن الإشارة إلى الكونغرس تفصيلاً بروتوكولياً؛ بل عكست إدراكاً تركياً بأن المرحلة المقبلة لن تُدار من البيت الأبيض وحده، وأن موازين القوى التشريعية والرقابية ستصبح أكثر حضوراً في ملفات تهم أنقرة. لكن القراءات التركية لم تكن على مستوى واحد. فهناك من رأى أن خسارة الجمهوريين ستضعف قدرة ترامب على تمرير تفاهماته مع أردوغان، خصوصاً في الملفات الدفاعية التي تحتاج إلى غطاء تشريعي أو إلى تجاوز اعتراضات داخل الكونغرس. كما أن تغير موازين القوى داخل الكونغرس قد يجعل ملفات مثل عودة تركيا إلى برنامج إف-35 وصفقات التسليح أكثر تعقيداً، من دون أن يغلق باب التفاوض نهائياً.
ومع أن الهزيمة لم تغيّر هوية الرئيس الأميركي، فإنها غيّرت البيئة السياسية والمؤسسية التي يتحرك داخلها. ولن يكون الحزب الديمقراطي بالضرورة الخيار الأسهل لتركيا؛ فعقبات الحوار معه كانت قائمة قبل وصول ترامب إلى الحكم، وتمتد إلى ملفات سياسية وأمنية واقتصادية متعددة. وبالنسبة إلى تركيا، لا يتمثل التحدي في استبدال الرهان على الجمهوريين برهان على الديمقراطيين، بل في الانتقال من مقاربة تركز على العلاقة مع الرئيس إلى سياسة أكثر اتساعاً وقدرة على التعامل مع تعدد مراكز القرار في واشنطن. وهذا ما يفسر أهمية دعوات بعض الخبراء الأتراك في الأيام الأخيرة إلى إعادة بناء وتفعيل قنوات التواصل مع الديمقراطيين، بالتوازي مع الحفاظ على التواصل المباشر مع ترامب والاستفادة من أي تفاهمات ممكنة خلال ما تبقى من ولايته.
القراءة التي تتبلور في تركيا اليوم تقوم على: أن انعكاسات نتائج الانتخابات الأميركية تتجاوز حدود العلاقة بين البيت الأبيض والكونغرس، لتصل إلى حسابات القوى الإقليمية المعنية بسياسات واشنطن في الشرق الأوسط وأوروبا. وأن تحولات محتملة في طريقة التعامل مع هذه الملفات قد تدفع ترامب إلى إعادة تقييم خياراته، والبحث عن تسويات تتيح له احتواء تداعيات الأزمات قبل أن تتحول إلى عبء أكبر على ما تبقى من ولايته. وأن تراجع هامش المناورة السياسية أمام ترامب قد يعزز الميل إلى تشجيع التفاوض، بالتوازي مع استمرار تنويع الشراكات الأمنية والسياسية. لكن ذلك لا يعني التخلي عن الولايات المتحدة أو استبدال مظلتها الأمنية بترتيبات إقليمية؛ بل يعكس سعياً إلى توزيع الاعتماد وتوسيع الخيارات. وأنه في هذا السياق، تكتسب مسارات التنسيق بين تركيا والسعودية ومصر وقطر والإمارات وسوريا وباكستان أهمية إضافية، باعتبارها قنوات يمكن أن تسهم في إدارة الأزمات وتخفيف التوتر، من دون أن تتحول بالضرورة إلى تحالف موحد أو محور موجه ضد طرف بعينه. وبذلك، لا تقرأ أنقرة نتائج الانتخابات باعتبارها تحولاً يفتح لها الطريق تلقائياً، بل باعتبارها تطوراً يضيف متغيراً جديداً إلى حسابات القوى الإقليمية، ويجعل خيارات إدارة العلاقات مع واشنطن أوسع وأكثر تعدداً.
وفي هذا السياق، تسعى تركيا إلى تقديم نفسها شريكاً قادراً على المساهمة في إدارة ملفات لا تستطيع واشنطن التعامل معها بمعزل عن التوازنات الإقليمية: ففي غزة، تمتلك تركيا قنوات سياسية واتصالات إقليمية يمكن أن تساعد في تثبيت التهدئة، ودعم الترتيبات الإنسانية، والمساهمة في البحث عن صيغة سياسية لمرحلة ما بعد الحرب. وفي سوريا، تتقاطع أهمية تركيا مع حسابات الإدارة الأميركية المتعلقة بالاستقرار الأمني، ومستقبل المؤسسات السورية، ومكافحة التنظيمات المتطرفة. أما في أوكرانيا والبحر الأسود، فتستند الورقة التركية إلى استمرار قنوات الاتصال مع موسكو وكييف، وإلى موقعها داخل حلف الناتو، وخبرتها في إدارة ملفات الملاحة والأمن البحري والتفاوض. وفي شرق المتوسط، قد تحاول تركيا الاستفادة من رغبة واشنطن في خفض التوترات الإقليمية لتشجيع مقاربات أكثر توازناً للخلافات البحرية والأمنية في المنطقة. أما في الملف الإيراني، فتستطيع أنقرة عرض قنواتها مع طهران بوصفها أداة مساعدة في خفض التصعيد، وتجنب اتساع الحرب، وتهيئة ظروف تفاوضية. دون إغفال سيناريو أن أي تغير مستقبلي في المشهد السياسي الإسرائيلي قد يفتح نافذة إضافية أمام تفاهمات تركية ـ إسرائيلية محدودة، إذا تراجعت أسباب التصعيد في غزة وسوريا، وإذا توفرت إرادة سياسية لدى الطرفين. لذلك، فإن أي تفاهم جديد بين أنقرة وواشنطن سيحتاج إلى مسار مؤسسي يضمن استمراره، لا إلى اتفاق سياسي يتوقف على إرادة الرئيسين وحدهما.
لا تبدو أنقرة معنية بالتخلي عن قناة ترامب بعد خسارة الجمهوريين، لكنها تدرك أن الرهان على العلاقة الشخصية وحدها لم يعد كافياً لإدارة علاقة بحجم العلاقات التركية ـ الأميركية. فالرئيس الذي بقي في البيت الأبيض سيواصل امتلاك أدوات التأثير، لكن قدرته على تحويل تفاهماته إلى قرارات نافذة ستتأثر بتوازنات الكونغرس والمؤسسات الأميركية، وبحسابات المرحلة التي تسبق انتخابات 2028. لهذا، قد لا تكون هزيمة ترامب هي التي تمنح تركيا نفوذاً أكبر، بل التي تدفعها إلى إعادة تعريف مصادر نفوذها وكيفية استخدامها. هذا يعني أن أنقرة تتعامل مع عامين متبقيين من إدارة ترامب، لكن ضمن بيئة أميركية بدأت بالفعل ترسم حساباتها للمرحلة التي ستلي انتهاء ولايته.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة