السويداء: تفاصيل معركة معقدة تكشف أزمات سوريا المتفاقمة وتدخلات إقليمية


هذا الخبر بعنوان "السويداء.. معركة الخاسرين في سوريا" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢٠ تموز ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وسيم العدوي | بيسان خلف | لمى دياب | محمد كاخي - عُرفت محافظة السويداء، ذات الأغلبية الدرزية، بموقفها المحايد في النزاع السوري منذ عام 2011. ورغم تجنبها المواجهات المباشرة بين النظام والمعارضة، تأثرت بتداعيات الحرب، مثل الفراغ الأمني والأزمات المعيشية. أدى ذلك إلى ظهور فصائل مسلحة محلية وحراك مدني يطالب بالإصلاح وإسقاط النظام منذ عام 2021.
في صيف 2025، تغير الوضع جذريًا بعد حادثة اختطاف وسرقة على طريق دمشق-السويداء، مما أدى إلى اشتباكات عنيفة بين فصائل محلية ومجموعات عشائرية، وتدخل الدولة عسكريًا. بعد دخول وانسحاب قوات وزارتي الدفاع والداخلية، إثر ضربات جوية إسرائيلية، تحولت السويداء إلى ساحة نزاع إقليمي ومحلي معقد، وسط تضارب الأجندات وعجز الفاعلين المحليين عن السيطرة على الوضع.
أظهرت أحداث السويداء، وأحداث الساحل سابقًا، أن الأزمات العميقة في المجتمع السوري لم تنتهِ بسقوط النظام وانتهاء الحرب، بل تتفاقم. يتناول هذا الملف الصحفي تطورات الأحداث، بدءًا من المواجهات في منتصف تموز، مرورًا بالتدخلات الدولية والإسرائيلية، وصولًا إلى الاتفاق الذي رعته أطراف إقليمية ودولية، والذي يبدو أنه كرس التدويل وتقاسم النفوذ بدلًا من بسط السيادة. كما يسلط الضوء على الخسائر البشرية، والانتهاكات، ومواقف الشيوخ والفصائل، وتوازنات القوى الجديدة، ويطرح تساؤلات حول مستقبل السويداء ووحدة سوريا.
بعد تداول أنباء عن اتفاق بين الدولة وشيوخ السويداء يسمح بدخول قوى الأمن واستئناف عمل المؤسسات الحكومية، تجدد التوتر في 12 تموز، بسبب حادثة سلب واختطاف أحد أبناء السويداء على طريق دمشق، مما أدى إلى عمليات خطف انتقامية. استنفرت فصائل محلية ومجموعات من البدو غرب السويداء، ووقعت اشتباكات متفرقة في حي المقوس شرقي المدينة في 13 تموز، ثم تحولت إلى اشتباكات متبادلة بالأسلحة.
دفعت المواجهات قوات وزارتي الدفاع والداخلية إلى دخول السويداء، حيث تم التوصل إلى اتفاق برعاية مشيخة العقل ممثلة بالشيخ يوسف الجربوع وفعاليات المدينة، يقضي بانتشار قوى الأمن الداخلي في المحافظة. لكن الاتفاق لم يرضِ تيارات أخرى تتهم القوات الحكومية بارتكاب جرائم وانتهاكات، فشنت هجومًا مضادًا بتغطية جوية إسرائيلية استهدفت نقاطًا للحكومة في درعا والسويداء ودمرت مبنى الأركان في دمشق وقصر الرئاسة، مما أدى إلى انسحاب القوات الحكومية من السويداء.
عقب الانسحاب الحكومي، شنت فصائل محلية هجومًا انتقاميًا ضد عشائر البدو في السويداء، مما أدى إلى تعبئة عشائرية من أبناء القبائل في أغلب المناطق السورية، الذين توجهوا إلى السويداء وبدؤوا معارك مسلحة ضد الفصائل المحلية. ورصدت عنب بلدي انتهاكات واسعة النطاق من قبل الفصائل المحلية والقوات الحكومية ومقاتلي العشائر خلال المواجهات.
في 19 تموز، أعلن المبعوث الأمريكي، توماس براك، عن اتفاق سوري-إسرائيلي لوقف إطلاق النار، تبنته تركيا والأردن وجيرانهما، وأكده الرئيس السوري في المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، مطالبًا مقاتلي العشائر بالالتزام بالاتفاق. وبدأ انتشار قوات الأمن في محيط مدينة السويداء، وسط انسحاب تدريجي لمقاتلي العشائر.
بحسب وزارة الداخلية السورية، ينص الاتفاق المعلن في 19 تموز، برعاية أمريكية، على:
الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني قال إن الحل العسكري لم يكن الأنسب، لكن الدولة قدمت عروضًا للسويداء منذ سقوط نظام الأسد في 8 كانون الأول 2024، ووقف الشيخ حكمت الهجري في وجهها، وهناك أصوات تحمله مسؤولية انسداد الأفق مع دمشق. ويبدو أن الاستحقاقات والمطالب الخارجية المتعلقة بالعقوبات عجلت بمحاولة الدولة حل المسألة عسكريًا. ويرى حوراني أن الضربات الجوية الإسرائيلية لم تكن مؤثرة لعدم كثافتها، وأن إسرائيل تنفذها لأغراض داخلية وليست كطرف رئيس في المعركة.
استقبلت وزارة الصحة السورية 1698 حالة إصابة نتيجة أحداث السويداء، بينها 425 حالة حرجة، وتم نقل 1022 حالة لبقية المحافظات. وبلغ عدد القتلى الواصلين إلى المستشفيات الرسمية 260 شخصًا، بحسب بيان لوزير الصحة، مصعب العلي، في 18 تموز. بينما وثقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان مقتل ما لا يقل عن 321 سوريًا، بينهم 6 أطفال و9 سيدات، وإصابة ما يزيد على 436 آخرين بجروح متفاوتة الخطورة في محافظة السويداء، خلال الفترة من 13 تموز وحتى 18 تموز.
أوضحت الشبكة أن الحصيلة تشمل ضحايا من المدنيين، بمن فيهم أطفال وسيدات وأفراد من الطواقم الطبية، إضافة إلى مقاتلين من مجموعات عشائرية مسلحة من البدو، وأخرى محلية خارجة عن سيطرة الدولة من أبناء المحافظة، إلى جانب عناصر من قوى الأمن الداخلي ووزارة الدفاع التابعة للحكومة الانتقالية السورية.
صرح المكتب الإعلامي لفرق الدفاع المدني، لعنب بلدي، أن وزارة الطوارئ والكوارث شكلت غرفة عمليات مشتركة منذ بداية الأحداث في السويداء، تضم ممثلين عن الوزارات والمؤسسات الحكومية، والدفاع المدني السوري، ومنظمات محلية إنسانية ومؤسسات خدمية. وجهزت وزارة الصحة قافلة طبية طارئة، مؤلفة من 20 سيارة إسعاف، وفرقًا طبية متخصصة، وكميات كبيرة من الأدوية والمستلزمات، إلا أن القصف المكثف حال دون دخولها إلى المحافظة، حفاظًا على سلامة الكوادر، مع بقاء القافلة على جاهزية تامة للدخول فور توقف إطلاق النار وتأمين ممرات آمنة، بحسب وزير الصحة.
قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية والعمل، هند قبوات، إن الوزارة على استعداد لإرسال المساعدات الإنسانية والطبية والغذائية لتحقيق الاستجابة المثلى لنداءات الأهالي في جنوبي سوريا، وسيتم إرسال المساعدات بالتعاون مع مكتب التعاون الدولي في وزارة الخارجية والمنظمات الفاعلة، موضحة أن الوزارة على أتم الجاهزية للتنسيق مع الجهات الطبية والإغاثية المختصة للتعامل مع كل المستجدات الإنسانية في المنطقة، وذلك ريثما يتم تأمين الطريق لدخول القوافل بشكل آمن، وفق قبوات. وأشارت قبوات إلى أن قافلة مساعدات وصلت بتنظيم مشترك ما بين وزارتي الصحة والشؤون الاجتماعية إلى الجنوب قبل يومين، لكنها لم تتمكن من دخول محافظة السويداء نتيجة القصف الإسرائيلي المتواصل.
أصدرت عدد من الدول العربية، في 17 تموز، بيانًا مشتركًا رحب بالاتفاق الأولي الذي أنجز وأعلن عنه رئيس المرحلة الانتقالية، أحمد الشرع، لإنهاء التوترات في محافظة السويداء. وأعرب وزراء خارجية الأردن، الإمارات، البحرين، السعودية، العراق، عمان، قطر، الكويت، لبنان، مصر وتركيا عبر البيان، ضرورة تنفيذ الاتفاق من منطلق حماية سوريا ووحدتها، وبما يحقن الدم السوري ويضمن حماية المدنيين، وسيادة الدولة والقانون.
أثنى البيان على التزام الشرع بمحاسبة كل المسؤولين عن التجاوزات بحق المواطنين السوريين في محافظة السويداء، وأكدت الدول الموقعة دعمها لكل جهود بسط الأمن وسيادة الدولة والقانون في السويداء وجميع الأراضي السورية، ونبذ العنف والطائفية ومحاولات بث الفتنة والتحريض والكراهية.
المحلل السياسي حسن النيفي، قال لعنب بلدي، إن بيان التأييد للدول العربية بدعم جهود الشرع في إنهاء أزمة السويداء، يأتي في سياق الموقف السابق لهذه الدول وفي مقدمتها دول الخليج بدعم الأمن والاستقرار في سوريا خاصة في مرحلتها الوليدة. ويرى النيفي أن ما يجري الآن في سوريا سينعكس على الحالة الأمنية بشكل عام، لذلك التأييد هذا ليس ضد مكون سوري وليس تأييدًا لمسألة فرعية، وإنما يأتي في سياق التأييد العام لأمن واستقرار سوريا.
ويعتقد أن هذا التأييد لم يكن مجرد كلام في بيان أو ضمن سياقات نظرية فحسب، وإنما تجسد بجهود واضحة لإنهاء الأزمة، هذه الجهود لم تتجلَ بدعم عسكري مباشر أو تدخل في الشأن السوري، وإنما من خلال ضغط بعض الدول العربية التي لديها نفوذ للولايات المتحدة الأمريكية لكبح جماح إسرائيل عن التدخل في سوريا.
أدان البيان المشترك الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على سوريا، وعبر عن رفض الدول الموقعة عليه لهذه العمليات بصفتها خرقًا للقانون الدولي، وتمثل اعتداء سافرًا على سيادة سوريا، ما يزعزع أمنها واستقرارها ووحدة وسلامة أراضيها ومواطنيها. ودعا البيان المجتمع الدولي إلى دعم الحكومة السورية في عملية إعادة البناء، وأن يتحمل مجلس الأمن مسؤولياته القانونية والأخلاقية لضمان انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي السورية، إضافة إلى دعوات وقف جميع الأعمال العدائية الإسرائيلية على سوريا والتدخل في شؤونها، وتطبيق القرار “2766”، واتفاقية فض الاشتباك لعام 1974.
أوضح المحلل السياسي حسن النيفي أن القصف الإسرائيلي الذي استهدف مبنى هيئة الأركان بدمشق، أثار حفيظة تركيا وبعض الدول العربية بما فيها السعودية، لممارسة المزيد من الضغط على إسرائيل من أجل وقف عدوانها. من جهتها، أعلنت الخارجية الأمريكية أنها “لم تدعم” الهجمات الإسرائيلية الأخيرة على سوريا، وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الأمريكية، تامي بروس، في 17 تموز، “نحن منخرطون دبلوماسيًا مع إسرائيل وسوريا على أعلى المستويات، لمعالجة الأزمة الحالية والتوصل إلى اتفاق دائم بين الدولتين”.
بينما أبدى الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، قلقه إزاء التقارير التي تتحدث عن عمليات قتل عشوائية للمدنيين، ونهب الممتلكات الخاصة، وأدان جميع أشكال العنف، وحثّ السلطات المؤقتة والقادة المحليين على خفض التصعيد، وحماية المدنيين، والتحقيق بشفافية ومحاسبة المسؤولين عن الأحداث.
- ولي العهد السعودي محمد بن سلمان
“ندين الاعتداءات الإسرائيلية السافرة على الأراضي السورية، والتدخل في شؤونها الداخلية، ونؤكد موقف المملكة الثابت على مساندة سوريا والوقوف إلى جانبها ورفض أي عمل يمسّ السلم الأهلي والاجتماعي”.“يجب عدم تفويت الفرصة لبناء مستقبل للشعب السوري، ولن يُسمح إطلاقًا للتنظيمات الإرهابية باستغلال الوضع في جنوبي سوريا”.
- وزير الخارجية التركي هاكان فيدان
“نحضّ إسرائيل على أن توقف فورًا ضرباتها على الأراضي السورية، بما في ذلك على مؤسسات رئيسة في دمشق، بما يعرّض حياة المدنيين للخطر وقد يهدّد العملية الانتقالية في سوريا”.
- الاتحاد الأوروبي
“هناك سوء تفاهم بين الجانب السوري والإسـرائيلي، ونحن نتحدث معهم طوال الليل واليوم وأعتقد أننا متجهون لخفض التصعيد”.
- وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو
“على النظام السوري مغادرة السويداء وسحب قواته، كما أوضحنا وحذرنا، لن تتخلى إسرائيل عن الدروز في سوريا، وستفرض سياسة نزع السلاح التي قررناها”.
- وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس
“لن تحظى الحكومة السورية بدعم ألمانيا، إلا إذا التزمت بعملية شاملة في سوريا، وحمت الشعب، ولم تسمح باضطهاد الأفراد بسبب انتمائهم الديني أو العرقي”.
- وزير الخارجية الألماني يوهان فادفول
“ندعو الدروز والبدو والسنّة إلى إلقاء أسلحتهم والعمل مع الأقليات الأخرى على بناء هوية سوريّة جديدة وموحدة”.
- المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك
يؤكد الاتفاق الأخير الذي أعلن عنه المبعوث الأمريكي، توماس براك، أن الصراع في السويداء انعكاس للاتفاقيات السورية-الإسرائيلية، وليس محصورًا فقط في العوامل الداخلية، ولو أنها أشعلت فتيله.
كشفت ثمانية مصادر مطلعة لوكالة رويترز، أن الحكومة السورية “أخطأت في تفسير كيفية رد إسرائيل” على نشر قواتها جنوبي سوريا، بعدما شجعتها رسالة الولايات المتحدة بأن “سوريا يجب أن تحكم كدولة مركزية”. اعتقدت دمشق أنها حصلت على الضوء الأخضر من الولايات المتحدة وإسرائيل لإرسال قواتها إلى الجنوب على الرغم من أشهر من التحذيرات الإسرائيلية بعدم الاقتراب من الجنوب السوري، بحسب ما نقلته المصادر التي تضم مسؤولين سياسيين وعسكريين سوريين ودبلوماسيين ومصادر أمنية وإقليمية، لرويترز.
وقالت المصادر، في تقرير الوكالة، في 19 تموز، إن “هذا التفاهم استند إلى تعليقات علنية وخاصة من المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا، توماس براك، وكذلك إلى المحادثات الأمنية الوليدة مع إسرائيل”، إذ دعا براك إدارة سوريا كدولة مركزية دون مناطق حكم ذاتي. وأفاد مسؤول عسكري سوري لوكالة رويترز، بأن المراسلات مع الولايات المتحدة دفعت دمشق إلى الاعتقاد بأنها قادرة على نشر قواتها دون أن تواجهها إسرائيل. وقال المسؤول إن المسؤولين الأمريكيين لم يردوا عندما أُبلغوا بخطط نشر الصواريخ، ما دفع القيادة السورية إلى الاعتقاد بأن الأمر تمت الموافقة عليه ضمنيًا وأن “إسرائيل لن تتدخل”.
وقال دبلوماسي مقيم في دمشق، إن السلطات السورية كانت “مفرطة الثقة” في عمليتها للسيطرة على السويداء “بناء على الرسائل الأمريكية التي تبين أنها لا تعكس الواقع”. وفي 16 تموز الحالي، وعقب استهداف الجيش الإسرائيلي مبنى الأركان في العاصمة دمشق، قال وزير الخارجية الأمريكي، ماركو روبيو، إنه يعتقد أن الضربة على دمشق كانت “على الأرجح سوء فهم” وسط مخاوف بشأن الاضطرابات التي اندلعت هذا الأسبوع، وفقًا لوكالة فوكس نيوز.
وبعد ضرب مبنى الأركان وقصر الرئاسة، قال الرئيس السوري في كلمة نقلتها رئاسة الجمهورية، إن الحكومة لجأت إلى قرار الانسحاب من السويداء لتجنب مواجهة مفتوحة مع إسرائيل، مشيرًا أيضًا إلى “سوء فهم” مع الجانب الإسرائيلي.
يعتقد المحلل السياسي حسن النيفي أن هناك نوعًا من التوقف بين ما كان يقال عنه محادثات سرية بين الحكومة السورية وإسرائيل. وأشار إلى أن آخر محادثات كانت في زيارة الرئيس السوري إلى أذربيجان، في 12 تموز الحالي، وأن الموقف الإسرائيلي المعادي الآن لسوريا جاء نتيجة عدم استجابة الحكومة الحالية للمطالب الإسرائيلية التي تتجاوز التنازل عن الجولان، بحسب تحليله.
وما تريده إسرائيل ليس فقط التخلي عن الجولان، وإنما تريد إجبار الحكومة السورية على الإقرار بأن منطقة الجنوب السوري هي منطقة منزوعة السلاح. وأضاف النيفي أن حكومة نتنياهو تريد أن يتحول سكان الجنوب السوري، بمن فيهم أهالي السويداء والقنيطرة ودرعا، إلى حراس لحدود إسرائيل، منوهًا إلى أن رفض الحكومة الحالية لهذه التطلعات دفع إسرائيل بدعم الفصائل المحلية في السويداء.
بينما يرى الباحث في الشأن الإسرائيلي ياسر مناع، أن العمليات الإسرائيلية في سوريا تندرج ضمن استراتيجية معلنة تعرف باسم “المعركة بين الحروب”، والتي تهدف إلى استنزاف النظام السوري الجديد، وبناء تحالف مع الدروز كخط دفاع أوليٍّ عن إسرائيل. مناع اعتبر، في حديث إلى عنب بلدي، الولايات المتحدة طرفًا في الحسابات العسكرية الإسرائيلية في سوريا. وتاريخيًا، لا تنفّذ إسرائيل ضربات كبرى داخل المجال السوري، دون تنسيق مباشر، أو على الأقل إبلاغ واشنطن، ويرى مناع أنه هناك تواطؤًا ضمنيًا أو تغطية سياسية أمريكية للضربات الإسرائيلية.
واستبعد مناع أن تكون هناك علاقة بين الهجوم على السويداء، وزيارة الرئيس السوري إلى أذربيجان، ففي سياقات الشرق الأوسط، لا تُبنى الاستنتاجات على التزامن الزمني فقط، بل على الترابط البنيوي للأحداث والمصالح.
الباحث السياسي نادر الخليل يفسّر قرار دخول القوات السورية إلى السويداء كجزء من استراتيجية أوسع لفرض السيطرة على المناطق التي تشهد اضطرابات داخلية، وقد تكون الحكومة رأت أن الوقت مناسب لتحقيق مكاسب داخلية، خاصة في ظل المرونة التي أبدتها الولايات المتحدة عبر تصريحاتها وإجراءاتها تجاه هذه الحكومة. ويرى الخليل، في حديث إلى عنب بلدي، أن التدخل الإسرائيلي الذي جاء بحجة حماية الدروز ظاهريًا، الهدف الأساسي منه هو إرساء منطقة آمنة خالية من وجود قوات عسكرية وأسلحة ثقيلة جنوبًا.
ومن المحتمل أن الحكومة السورية لم تكن على علمٍ كامل بمدى الضغوط التي ستواجهها من الولايات المتحدة، تحت تأثير الرغبة الإسرائيلية، ما أدى إلى انسحابها الأول تحت الضغط.
بعد اتفاق وقف إطلاق النار الأخير الذي أعلنت عنه الحكومة السورية فجر 19 تموز، يبدو استشراف الواقع على الأرض في السويداء ضبابيًا نظرًا للكثير من الأسباب، منها المواقف المتنافرة أو غير المنسجمة لشيوخ العقل والفصائل، وتدخل العشائر بالاشتباكات الدائرة في السويداء.
يرى المحلل والكاتب فراس علاوي أن الاتفاق الأول بين مشايخ السويداء ووزارتي الدفاع والداخلية، بعد دخولها السويداء، كان “هشًا وقابلاً للانفجار” في أي لحظة، نظرًا لغياب الأدوات الكفيلة بتثبيته، فالقوى التي وقّعت الاتفاق لم تملك القدرة الكاملة على إدارة المدينة، في ظل عجز الدولة عن تقديم الدعم اللازم بسبب التدخلات الإسرائيلية والإقليمية المستمرة. وأشار علاوي إلى أن الانقسام الداخلي في السويداء يعمّق الأزمة، فمنذ البداية، كان هناك انقسام واضح داخل المجتمع في السويداء، ورغم أن الأصوات الداعية للارتباط بالدولة السورية قد تكون مساوية أو أكثر عددًا من الأصوات الرافضة، فإن تأثيرها سيبقى محدودًا بسبب ما وصفه بـ”اختطاف القرار” من قبل بعض مشايخ العقل والفصائل المسلحة بالسويداء.
هذا الاختطاف تعزز من خلال عاملين رئيسين: التدخل الإسرائيلي المباشر، وصمت القوى الإقليمية المؤيدة لدمشق، ما أضعف موقف القوى الموالية للحكومة داخل السويداء.
قال الكاتب فراس علاوي، إن الدولة السورية ستكون حاضرة على الأرض في محافظة السويداء، ولكن بشكل ضعيف في الوقت الراهن، ومع ذلك، فإن هذا الوجود يجب أن يكون داعمًا للمجتمع المحلي، ولا سيما أغلبية أهالي السويداء الذين رفضوا الانفصال عن محيطهم كما رفضوا الميليشيات الداعية للانعزال بالسويداء عن بقية المناطق السورية. ويرى علاوي أن تقسيم سوريا وانفصال السويداء عنها خيار مطروح لكنه غير مرجّح، ورغم وجود فرص ليرى هذا التقسيم النور، فالسيناريو ككل مرتبط بالمزاج الإقليمي والدولي، إذ توجد رغبة عامة في الحفاظ على وحدة سوريا، حتى إن إسرائيل تسعى إلى إبقاء البلاد موحدة شكليًا، وضعيفة فعليًا، بما يخدم أمنها القومي، وفقًا لتصريحات مسؤوليها باستمرار.
يحذر علاوي من احتمال تصاعد العمليات ضد الأمن العام والفصائل الموالية للحكومة، ما لم يتم احتواء المجتمع المحلي في السويداء وجذبه إلى جانب المجتمع السوري في بقية المناطق، وتقريب وجهات النظر وتهيئة المناخ لإجراء حوار فعلي على الأرض، فاستعداء هذا المجتمع قد يؤدي إلى مزيد من التوترات الأمنية. ويرى علاوي أن التهديدات التي تواجه درعا ليست محلية فقط، بل تأتي من جانب إسرائيل التي تسعى لإفراغ الجنوب من أي وجود عسكري، وفي حال وجود قوات حكومية، قد نشهد تصعيدًا إسرائيليًا جديدًا، في ظل محدودية الدعم المباشر الذي يمكن أن تقدمه للفصائل المسلحة في السويداء.
ولا يتوقع علاوي أن تمد إسرائيل جسور دعم مستمر للسويداء، سواء برًا أو جوًا، بل سيقتصر دعمها على عمليات عسكرية محدودة كالعمليات الجوية التي جرت في 16 تموز، فإسرائيل، في نهاية المطاف، تسعى لتحقيق مصالحها.
استطلعت عنب بلدي آراء عدد من الخبراء والصحفيين بشأن الرابحين والخاسرين بعد الاتفاق الأخير، خاصة مع الدفاع عنه وتقديمه باعتباره نصرًا لأكثر من طرف. ويرى الباحث في الشؤون العسكرية رشيد حوراني أن الخسارة الحقيقية هي في الصدع الذي أصاب المجتمع السوري، الذي قاده الهجري برفض تعامله مع سياسة الباب المفتوح مع دمشق والنظر إليها منذ وصولها إلى الحكم وإسقاط الأسد على أنها “جماعة تكفيرية”، وهو ما أكده في كلمته الأخيرة. ولذلك فإن المكسب يتحقق بتنحيته عن الواجهة وتقديم شخصيات سياسية واجتماعية تتولى شؤون المحافظة.
بينما يرى الكاتب فراس علاوي أنه في حال حصول وقف حقيقي لإطلاق النار، فإن الرابح من ذلك هو المجتمع السوري والحكومة، لأن حدوث الاستقرار سيسهم في المضي بخطوات أخرى لتعزيز التلاحم المجتمعي ودعم حالة الأمن وترسيخ السلم الأهلي. أما بالنسبة للولايات المتحدة فإن استراتيجيتها تكمن في تنفيذ رغبات إسرائيل وسياستها الرامية لحفظ أمنها القومي، حتى لو كان ذلك بافتعال حروب أو دعم قوى انفصالية، وهو ما يشكل خطرًا على أي اتفاق يحصل بين الحكومة والفصائل والمسلحة على الأرض بالسويداء، وفقًا لعلاوي.
عبد الله سليمان علي، الإعلامي المتابع للشأن السوري في جريدة النهار اللبنانية، قال إن الاتفاق الذي أعلنه المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا بشأن السويداء يمثل تدويلًا صريحًا للملف، إذ جاء بموافقة كل من الشرع ونتنياهو، إلى جانب دعم إقليمي من الأردن وتركيا ودول أخرى لم يُكشف عنها. وأوضح عبد الله علي، لعنب بلدي، أن “تدويل أي ملف داخلي يُعد انتقاصًا من السيادة الوطنية، ويعبّر عن ضعف السلطات الانتقالية وعدم قدرتها على إدارة الملفات الحساسة بمفردها”، مضيفًا أن “هذا الاتفاق يمنح صورة سلبية عن أداء هذه السلطات، التي تُعد الخاسر الأول من مخرجاته، رغم محاولات الترويج عكس ذلك”.
وأشار إلى أن المفارقة تكمن في الخطاب الرسمي الذي “يُركّز على السيادة الوطنية ووحدة الأراضي لتبرير ما يحدث من عنف في السويداء، بينما الاتفاق نفسه ضرب هذين المفهومين في الصميم عبر تدويل القضية وإدخال إسرائيل شريكًا فيها”. ويعتقد علي أن “إسرائيل هي الرابح الأكبر، إذ نجحت من خلال هذا الاتفاق في انتزاع شرعية التدخل في ملف داخلي، ما يُعد خطوة متقدمة في مشروعها الرامي إلى إضعاف الدولة السورية ودفعها نحو التقسيم، وفق ما يتماشى مع التصورات الإقليمية التي طالما تحدّث عنها نتنياهو”.
ينصّ الاتفاق على انتشار قوى الأمن الداخلي في محيط الحدود الإدارية للسويداء، في حين تبقى السيطرة داخل المدينة بيد الفصائل المحلية، ما يعكس محاولة للحفاظ على توازن هش، بحسب علي، “كانت الحكومة قد حاولت خرقه من خلال محاولة اقتحام المدينة قبل أن تتراجع وتترك المهمة للعشائر”.
وفي الجانب الإنساني والأخلاقي، أعرب علي عن أسفه لما وصفه بـ”الخسارة الجماعية”، قائلًا إن “السوريين، شعبًا ومسؤولين، خرجوا خاسرين من أحداث السويداء، إذ فشلوا في تجنب تكرار سيناريو دموي مشابه لما جرى في الساحل السوري”. ويرى أن الحكومة الانتقالية تتحمل المسؤولية السياسية والأخلاقية عن هذه الأحداث، لا سيما في ظل ما وصفه بـ”الأداء المربك والمثير للجدل”، مشيرًا إلى توثيق تجاوزات من قبل عناصر الأمن والجيش خلال الأيام الأولى، فضلًا عن مشاركة عناصر سبق اتهامهم في مجازر الساحل، وهو ما “يقوّض خطاب السلطة حول المحاسبة”.
وشدد عبد الله علي على أن “الفصائل المحلية ليست بريئة من الانتهاكات، لكنها لا تتحمل العبء القانوني والأخلاقي نفسه الذي يقع على الحكومة، المطالبة بالالتزام بالقانون الدولي الإنساني، وادّعت أنها جاءت لحفظ الأمن وفض الاشتباك، فإذا بها تقدم صورة مشابهة لما حدث في الساحل، مع تكرار مشاهد العنف والخطاب الطائفي”. واختتم بالقول إن الحكومة “خسرت شعبيًا في أوساط الأقليات”، خاصة في ظل توجيه الشكر الرسمي لفزعة العشائر، الذي اعتبره “عاملًا إضافيًا في تعميق مخاوف الأقليات من تكرار هذا النموذج ضد أي طرف سوري معارض لتوجهات الحكومة مستقبلًا”.
الباحث السوري الدكتور عبد الرحمن الحاج قال لعنب بلدي، إن الحكومة الانتقالية حققت خمسة مكاسب هي:
في المقابل، خسرت الحكومة جزءًا من هيبتها بالضربات الإسرائيلية لمدينة دمشق وقصف مؤسسات سيادية، مثل قيادة الأركان ومحيط القصر الجمهوري، وقتل المئات من قوى الأمن الداخلي ومجندين يتبعون لوزارة الدفاع، وأدى هذا إلى استياء واسع للغاية في الداخل، وشكل أحد الحوافز لفزعة العشائر.
بينما كسب الهجري إعلانًا صريحًا بالدعم الإسرائيلي، وانخراطًا علنيًا أكبر للإسرائيليين، بحسب الدكتور عبد الرحمن الحاج، واعتقد أن ذلك يمكنه من حكم ذاتي بالتوافق مع الإسرائيليين، بعد خروج الأمن العام والقوات العسكرية إثر الضربات الإسرائيلية. وظهر الهجري كمدافع عن الطائفة في مواجهة حكومة متسلطة، ونجح في خلق مناخ عام بالسويداء مناهض للحكومة. لكنه خسر الكثير في المقابل، في اليوم التالي للاتفاق، بعد أن بدأت الميليشيات المرتبطة به عمليات تطهير طائفي ضد العشائر العربية في السويداء وتهجيرها بهدف إعلان حكم ذاتي، ما أدخل السويداء في حرب أهلية.
في هذه الحرب التي فشل فيها، خسر الهجري الكثير من الدعم الشعبي من أهالي المحافظة، لأن الخسائر كبيرة من الجانبين المتحاربين، فخسر سمعته وتعرض لهزيمة ووقع اتفاقًا مذلًا يعزله عن التأثير. أما العشائر التي وقعت ضحية هجوم طائفي فأخذت بثأرها، لكنها أيضا خسرت كثيرًا من أبنائها وارتُكبت فظائع بحقها. المشهد غداة هذا العنف الأهلي يعكس، بحسب الدكتور عبد الرحمن الحاج، النتائج بشكل واضح، قرى وأحياء محترقة وقتلى في الشوارع، ولم يكن هناك حل دون دخول طرف ثالث، وبحساب الربح والخسارة، لم يربح أحد.
ثقافة
سياسة
سياسة
ثقافة