الإعلام السوري: هل يعمق الانقسامات أم يبني جسور التواصل؟ نظرة على دروس السويداء والساحل وتحديات المستقبل


هذا الخبر بعنوان "الإعلام.. دروس السويداء والساحل وما هو قادم" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ آب ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
علي عيد: هل يتحمل الإعلام جزءًا من مسؤولية التفكك الاجتماعي غير المسبوق الذي تشهده سوريا منذ عام 2011، نتيجة الحرب الداخلية والتدخلات الإقليمية والدولية والأزمات الاقتصادية؟ وأي إعلام نُحمّل هذه المسؤولية؟ هل هو الإعلام الرسمي الذي فقد السيطرة على "الرسالة"؟ أم الإعلام الخاص والمستقل، المحلي والعابر للحدود، والممول من جهات خارجية؟ أم وسائل التواصل الاجتماعي التي تتلاعب بها أطراف مجهولة أو هواة ومتحيزون في الداخل، وتسيطر على وعي جمهور منقسم أصلًا، وتحرك غرائزه؟
سوريا بلد غني بتنوعه العرقي والثقافي والديني، وهذا التعدد يحتاج إلى إدارة سياسية ذكية تفهم علاقته بالوحدة الوطنية، وتدرك عوامل التفكك، وتحول هذا الفهم إلى خطة إعلامية واعية ومتوازنة، يشارك في صناعتها إعلاميون محترفون ومؤسسات مؤثرة.
ظهر عمق الانقسام وتأثيره في الإعلام من خلال أزمتي السويداء الأخيرة وما سبقها في الساحل. فقد سعت أطراف داخلية وخارجية إلى تقديم هذا التنوع السوري وكأنه تهديد للهوية الوطنية، بدلًا من كونه رافعة لها، ما زاد من الشكوك بين مكونات المجتمع وعمّق من تعقيد خطاب المصالحة.
سوريا بلد متنوع بنسب تقريبية: العرب السنة يشكلون حوالي 70%، الأكراد (10-12%)، العلويون (10-11%)، المسيحيون (6-8%)، الدروز (3%)، إضافة إلى الشركس والأرمن والتركمان والإسماعيليين. هذا التعدد كان مصدرًا للغنى الاجتماعي والثقافي، لكنه تحول منذ 2011 إلى مادة للتجييش الإعلامي والانقسام السياسي، وعادت إلى السطح كل المشكلات القديمة التي كانت مؤجلة أو مكبوتة.
كشفت تقارير دولية، مثل "The Intercept" و"Tracking Exposed"، أن إسرائيل تدير حملات معلوماتية موجهة تستهدف الداخل السوري. هذه الحملات تركز على إثارة الانقسامات الطائفية وتشجع على "الفدرلة" أو الانفصال وتمول شبكات إعلامية رقمية ناطقة بالعربية. تحقيق لـ"BBC Arabic" حلل أكثر من 400 ألف منشور على منصة "إكس"، وتبيّن أن 60% منها مصدرها حسابات خارج سوريا (من العراق واليمن ولبنان وإيران). من هذه المنشورات، أكثر من 50 ألفًا حملت معلومات مضللة، وحوالي 100 ألف منشور حرض على العنف والكراهية ضد طوائف معينة. أما تقرير "The New Arab"، فكشف شبكة تنسيق رقمية تُعيد إنتاج المحتوى التحريضي بشكل ممنهج، مستهدفة تماسك المجتمع السوري. هذا يؤكد أن ما يجري في الفضاء الرقمي السوري ليس عشوائيًا، بل يتم على نطاق "صناعي" منظم.
المشكلة أعمق من مجرد "نقص معلومات"، بل تتعلق بثقافة إعلامية قائمة على التنميط والتعبئة. وإذا أراد الإعلام أن يكون جزءًا من الحل لا من الأزمة، فعليه أن:
لكن الإعلام وحده لا يقدر، ولا بد من تضافر الجهود بين المؤسسات السياسية والثقافية والدينية والمجتمعية لتنفيذ خطة وطنية تبدأ من الحوار الجاد وتشمل مشاريع تنموية وتحاسب الخارجين على القانون وتحترم الهويات وتُشرك المجتمعات في القرار وتعيد للدولة هيبتها.
أخيرًا… إذا لم يراجع الفاعلون السياسيون والإعلاميون أدوارهم، وإذا لم يتجاوب صانع القرار مع ما يحدث على الأرض من تبدلات عميقة، فالأزمات المقبلة ستكون أشد وطأة.. وللحديث بقية.
سياسة
سياسة
سياسة
اقتصاد