القامشلي – نورث برس
يرى محللون أن التصعيد الإسرائيلي الأخير في سوريا يعكس أبعادًا متعددة للسياسة الأمنية الإسرائيلية تجاه الأوضاع السورية. ويشيرون إلى أن هناك اتجاهًا نحو عدم الرغبة في التوصل إلى سلام شامل، بل فرض نهج أمني وقائي يضمن استمرار حالة عدم الاستقرار في سوريا من خلال سياسة "المفاوضات تحت النار"، وفرض واقع عسكري على الأرض بدلًا من البحث عن حلول سياسية.
وشنت طائرات إسرائيلية غارات جوية خلال الأسبوع الماضي على مواقع عسكرية تابعة للجيش السوري في ريف دمشق، مما أدى إلى مقتل ثمانية عسكريين من وزارة الدفاع السورية. استهدفت إحدى الغارات مسكنًا عسكريًا تابعًا للفرقة 44 في منطقة الحرجلة بناحية الكسوة. وفي وقت لاحق، استهدفت غارة أخرى فريقًا من الدفاع المدني أثناء محاولتهم إسعاف المصابين، مما أسفر عن وقوع جرحى آخرين.
"المفاوضات تحت النار"
يوضح عبد القادر عزوز، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة دمشق، أن التصعيد الإسرائيلي في سوريا يأتي في سياق نهج إسرائيلي يعتمد على "المفاوضات تحت النار" والابتعاد عن السلام الشامل. ويقول عزوز لنورث برس: "هكذا ترتكز عليها عقيدة الأمن الإسرائيلي، ليس مقابل السلام مقابل الأرض بل من خلال نهج الأمن الاستباقي أو الأمن الوقائي، وهذا يؤدي إلى تأزيم الوضع".
ويضيف أن دوافع التصعيد الإسرائيلي تتمثل في منع حدوث أي تعاف سياسي واقتصادي في سوريا، موضحًا أن "إسرائيل تود أن تبقى الشواغل والتحديات الأمنية لتشكل عائقًا أساسيًا لأي عملية سياسية وأي انفتاح اقتصادي، وهذه واحدة من الأسباب الرئيسية للتصعيد المستمر".
مخاوف من دور تركي – عربي
في الثاني والعشرين من أغسطس الماضي، ذكرت هيئة البث الإسرائيلية أن المفاوضات بين سوريا وإسرائيل حققت تقدمًا كبيرًا على صعيد توقيع اتفاق أمني بين الدولتين، مع بقاء بعض نقاط الخلاف بين الطرفين. ونقلت الهيئة حينها عن مصادر سورية لم تسمها أنه تم الاتفاق على نحو 80% من المحاور الأمنية، مع بقاء بعض نقاط الخلاف، أبرزها طلب إسرائيل إبقاء قواتها في عدة مواقع استراتيجية داخل الأراضي السورية، بما في ذلك محطة الرادار على جبل الشيخ وتل رئيسي في القنيطرة.
والتقى وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني في العاصمة الفرنسية باريس وفدًا إسرائيليًا لمناقشة عدد من الملفات المرتبطة بالجنوب السوري.
ويقول أشرف عكة، باحث في الشأن الإسرائيلي، لنورث برس، إن إسرائيل تتعامل مع الوضع السوري استنادًا إلى اتفاقية 1974، التي لم تعد صالحة للتعامل مع الوضع الحالي في سوريا. ويضيف عكة: "كانت هذه الاتفاقية مع حكومة وجيش ثابتين وراسخين، لكن اليوم الوضع متغير والظروف في سوريا غير مستقرة، وبالتالي هذه الاتفاقية لا تصلح".
ويرى أن "إسرائيل تفرض إرادتها على سوريا، وتحديدًا في الجنوب السوري، وتعمل على إقامة منطقة عازلة وخلق حالة من الاضطراب الداخلي لا تستطيع الحكومة السورية الجديدة أن تبسط سيادتها على الأراضي السورية".
ويقول الباحث في الشأن الإسرائيلي إن سوريا أصبحت "ساحة معركة رئيسية وتنافس جدي بين القوى الإقليمية المؤثرة في المنطقة"، مشيرًا إلى أن إسرائيل تخشى من دور تركي-عربي قد يرسخ النظام في سوريا ويجعلها قوة إقليمية تؤثر في التوازنات في المنطقة، وهو ما لا ترغب فيه إسرائيل. كما يعتقد عكة أن إسرائيل تحاول "إثارة النزعات الانفصالية بين الدروز والأكراد والعلويين من أجل تفتيت أي قدرة على تحقيق وحدة سوريا وسيادة أراضيها، وهو جزء من مشروع إسرائيلي أوسع يتعلق بتوتر المنطقة" وفق رأيه.
"خلق منطقة أمنية في الجنوب"
يقول ديمتري بريجع، المحلل السياسي الروسي، لنورث برس، إن التصعيد الإسرائيلي في سوريا، بما في ذلك الضربات الجوية على ريف دمشق، يرتبط بأمور عديدة منها: "إسرائيل تسعى إلى منع الاستقرار السوري الداخلي، لأن أي استقرار في سوريا يعني عودة قدرتها العسكرية والسياسية كلاعب إقليمي فاعل".
ويضيف: "كلما اقتربت دمشق من تثبيت وضعها الداخلي أو فتح قنوات تفاهم دولية، تعمد تل أبيب إلى تكثيف ضرباتها لإبقاء سوريا في دائرة الاستنزاف".
ويشير المحلل الروسي إلى أن "التفاهمات السورية الإسرائيلية ليست سلاماً بل هي تفاهمات محدودة لخفض التصعيد ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة، ومع ذلك، تستغل إسرائيل هذه التفاهمات لفرض واقع عسكري جديد على الأرض دون أن يصل الأمر إلى حرب شاملة".
ويعتقد بريجع أن الهدف الأعمق من التصعيد الإسرائيلي هو "خلق منطقة أمنية غير معلنة في الجنوب السوري ومحيط دمشق، أشبه بـ 'منطقة منزوعة السلاح'". ويضيف: "من خلال هذا الوضع تضمن إسرائيل معادلة ردع دائمة وتبقى الأجواء السورية مكشوفة أمامها، مما يضعف قدرة دمشق على المناورة".
إعداد وتحرير: عبدالسلام خوجة