إصلاح العملة السورية: هل هو حل جذري أم مجرد تجميل للاقتصاد؟


هذا الخبر بعنوان "إصلاح العملة بين حذف الأصفار وتبديل الفئات: الأثر الاقتصادي والانعكاسات على السوق" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٣ أيلول ٢٠٢٥.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يشهد المشهد النقدي في سوريا جدلاً واسعاً حول سبل إصلاح العملة الوطنية، بين خيار حذف الأصفار من الليرة السورية أو استبدالها بعملة جديدة بالكامل. هذه الإجراءات، بما تنطوي عليه من جوانب فنية ونفسية، تبقى معلقة على مدى ارتباطها بإصلاحات اقتصادية أعمق وأكثر شمولاً.
يعتبر حذف صفر أو أكثر من العملة خطوة شكلية تهدف بالأساس إلى تسهيل المعاملات الحسابية اليومية وتصغير الأرقام في الدفاتر والموازنات. قد يخفف هذا الإجراء من الضغط النفسي على المواطنين ويوحي بقدرة الدولة على السيطرة على التضخم، ولكنه في الواقع لا يغير القيمة الحقيقية للعملة إلا إذا اقترن بخطوات جذرية لمعالجة العجز المالي، وزيادة الإنتاج، والتحكم في حجم الكتلة النقدية.
على الرغم من هذه الإيجابيات المحتملة، يظل الخطر الأكبر هو استغلال بعض التجار للفترة الانتقالية لرفع الأسعار بشكل غير مبرر، مما يجعل تدخل الحكومة عبر الرقابة التموينية وتحديد أسعار أساسية للمواد الاستهلاكية ضرورة لا غنى عنها.
أما إصدار عملة جديدة بالكامل، سواء بحذف الأصفار أو بدونها، فإنه يحمل فوائد إضافية. فهو يتيح للدولة فرصة لسحب السيولة الفائضة من السوق، ومكافحة التزوير، والتخلص من الكتلة النقدية التالفة أو المخزنة خارج النظام المصرفي. يمكن لهذه الخطوة أن تساهم في تعزيز الثقة بالنظام النقدي إذا تمت بحرفية وشفافية، ولكنها بحد ذاتها لا ترفع قيمة العملة مقابل الدولار أو العملات الدولية الأخرى، فالأمر يبقى مرتبطاً بقدرة الاقتصاد على الإنتاج، وحجم الاحتياطيات، والميزان التجاري.
شهدت دول عديدة عمليات ناجحة في هذا المجال. على سبيل المثال، قامت تركيا في عام 2005 بحذف ستة أصفار من عملتها، حيث تحولت المليون ليرة قديمة إلى ليرة واحدة جديدة. ترافق هذا الإجراء مع إصلاحات اقتصادية قوية ودعم من صندوق النقد الدولي، مما انعكس استقرارًا في الأسعار وزيادة في الثقة الدولية بالاقتصاد التركي. كما نجحت البرازيل في التسعينيات في إصلاح عملتها بعد سلسلة من عمليات حذف الأصفار، ولكن النجاح تحقق عندما ربطت الحكومة الإصلاح النقدي بخطة اقتصادية شاملة عُرفت باسم "خطة ريال"، والتي ركزت على مكافحة التضخم وتعزيز الإنتاج. أما ألمانيا بعد الحرب العالمية الثانية فقد قدمت مثالًا كلاسيكيًا عندما أصدرت "المارك الألماني" بدلاً من "الرايخ مارك"، مما ساعد على استقرار اقتصادي سريع شكل أساس "المعجزة الاقتصادية الألمانية".
عادة ما تصاحب عملية تبديل العملة حالة من التذبذب المؤقت في سعر الصرف، حيث يسعى بعض المواطنين إلى تحويل مدخراتهم إلى الدولار تحسبًا لأي خسارة محتملة. غير أن تدخل المصرف المركزي، عبر تنظيم الاستبدال ووضع سقوف للسحب والرقابة على عمليات الصرافة، قادر على تقليل هذه الاضطرابات واحتوائها.
تعتبر المدة الزمنية المناسبة من النقاط الجوهرية في نجاح أي عملية تبديل للعملة. فالمدة القصيرة جداً قد تؤدي إلى فوضى وازدحام وارتباك في الأسواق، بينما تمنح المدة الطويلة المضاربين والمهربين فرصة للاستفادة من الفارق. وعليه، تعتبر فترة تتراوح بين ثلاثة إلى ستة أشهر الخيار الأمثل، مع إمكانية تمديد محدود عبر البنوك فقط.
في المحصلة، تبدو خطوات حذف الأصفار أو تبديل العملة وسيلة تقنية لتحسين المشهد النقدي، ولكنها تظل عاجزة عن تحقيق أثر مستدام بدون إصلاح اقتصادي شامل يعالج جذور التضخم ويدعم الإنتاج المحلي. وحدها السياسات المتوازنة، التي تجمع بين ضبط السوق والرقابة على الأسعار من جهة، وتعزيز الثقة بالقطاع المصرفي من جهة أخرى، قادرة على تحويل أي إجراء نقدي إلى أداة إصلاح حقيقية وليست مجرد عملية تجميلية.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _الحرية
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد