السبت, 29 نوفمبر 2025 01:11 PM

حلب تتحرر: شهادات من ليلة سقوط الأسد وبداية عهد جديد

حلب تتحرر: شهادات من ليلة سقوط الأسد وبداية عهد جديد

لم يكن الصمت الذي خيّم على منصات التواصل الاجتماعي في حلب دليلًا على الهدوء، بل كان يعكس عجز الحلبيين عن التعبير عن مشاعرهم الجياشة. ففي نهاية تشرين الثاني/ نوفمبر من العام الماضي، كانت حلب مدينةً أسيرة للخوف والقلق، حيث تبادلت العائلات رسائل مقتضبة عبر تطبيقات الاتصال حول أحداث غامضة، وانتشرت الشائعات حول مصير مجهول ينتظر السكان.

بدأ الكثيرون في وضع خطط للمغادرة، مرددين عبارة أصبحت ملازمة لكل منعطف عسكري: "نغادر حتى تهدأ الأوضاع". سيطر الخوف والحذر والترقب على المدينة، بينما ظلّ الجميع يبحث عن أيّ بارقة أمل تحدد مسار الأيام القادمة.

في السابع والعشرين من تشرين الثاني/ نوفمبر 2024، انطلقت معركة «ردع العدوان» من ريف حلب الغربي، حيث تقدمت وحدات المعارضة تدريجيًا نحو أطراف المدينة، بينما كانت الشوارع تصغي لأي صوت قادم من بعيد. وسرعان ما اتسعت رقعة الاشتباكات، وتحولت الهواجس من مجرد همسات في مجموعات الاتصال إلى واقع ملموس يمكن سماعه ورؤيته.

وفي صباح اليوم التالي، أعلنت غرفة العمليات سيطرتها ميدانيًا على مدينة حلب بعد انهيار سريع في خطوط دفاع النظام وتراجع قواته نحو المحاور الجنوبية. لم يكن هذا الإعلان مجرد بيان عسكري عادي، بل كان حدثًا مفصليًا غيّر المعادلة في غضون ساعات قليلة، وفتح أمام الأهالي بابًا لم يكونوا مستعدين له نفسيًا بعد.

يستذكر حسين الشيخ علي، من المنطقة القريبة من القلعة، حيث شهدت المدينة أول دخول للمقاتلين، تلك الليلة التي لا تزال محفورة في ذاكرته. ويقول لموقع سوريا 24 إن الناس أغلقوا محالهم التجارية خوفًا من المجهول، بينما بقي مقهاه مضاءً وحده في الشارع عند الحادية عشرة ليلًا. وما إن بدأت أصوات الاشتباكات تتردد من بعيد حتى عمّ الخوف المكان، فهرع الجميع إلى بيوتهم، ولم يبق سوى مجموعة صغيرة متمسكة بأرزاقها.

يربط حسين بين الصورة التي روّج لها النظام لسنوات وبين ما شاهده بنفسه: "كنا ننتظر أشخاصًا مخيفين كما صُوِّروا لنا، لكنهم دخلوا بهدوء، لم يقتربوا من أحد، ولم يتجاوزوا حدود الطريق". ويصف الساعة الأولى بأنها كانت ساعة خوف طبيعي، حيث كان الغرباء يدخلون منطقة غارقة في الظلام، لكن الحديث معهم جعل العلاقة أكثر إنسانية، فتلاشى الخوف وولدت بدلاً عنه صداقة مؤقتة. وحين يعود بذاكرته إلى تلك الليلة، لا يتذكر صوتًا أو موقفًا محددًا بقدر ما يتذكر شعور الانتظار؛ جلوسًا على الأرصفة بلا عمل ولا يقين، كمن يترقب مستقبلًا لم يعد بعيدًا.

بعد يوم من سيطرة فصائل المعارضة على المدينة، بدأت الفرق الإغاثية بتوزيع الخبز على السكان، في محاولة لطمأنتهم، بينما لعب أبناء المدينة دورًا كبيرًا في تهدئة مخاوف السكان من التغيير العسكري والسياسي والأمني.

من حي الخالدية، تروي عائشة الإبراهيم مشاعرها عند دخول المقاتلين. وتقول لموقع سوريا 24 إن "الخوف لم يكن منهم، بل من الطيران الذي اعتادت حلب أن تراه يقصف كل منطقة تتقدم إليها المعارضة". وتضيف: "تصورنا أن ما يحدث في المناطق المحررة سيتكرر هنا، لم نكن نثق بما نسمعه".

لكن الصورة تغيرت في اليوم التالي، حين رأى الأهالي أولى شحنات الخبز القادمة من ريف حلب الغربي، في مشهد بسيط، لكنه كان كافيًا لإيقاف الارتجاف الداخلي. وتضيف: "صحيح أن قصف دوار الباسل وما تلاه من مجزرة أعاد الخوف إلى النفوس، إلا أن انحسار الطيران وتحوّل القتال خارج المدينة جعلا الجو أكثر هدوءًا". وبالنسبة لعائشة، فإن اللحظة التي كسرت الدعاية الرسمية لم تكن خطابًا أو إعلانًا، بل رؤية أشخاص عاديين يسيرون في الشوارع بلا نية لإيذاء أحد.

يروي الشيخ أحمد الخطيب، خطيب أحد مساجد المدينة، لموقع سوريا 24 تفاصيل تلك الليلة، قائلاً إنّ "المقاتلين دخلوا يوم الجمعة عصرًا دون أن يقتربوا من رجال الدين"، وأنه "بعد أسبوع، ظهر خطباء جدد يطمئنون الأهالي، بينما لم يمسّ أي شيخ لم تكن له علاقة مباشرة بالنظام". ثم يقارن بين ما قبل التحرير وما بعده، قائلاً: "كنا مجبرين على الدعاء للرئيس المخلوع على المنبر، وإن لم نفعل، استدعتنا الأفرع الأمنية وبدأ التحقيق". ويختتم حديثه بالقول: "اليوم لا يملي علينا أحد دعاءً ولا خطبة، المنبر لأهل المسجد وليس للنظام".

مع مرور الأيام، تراجعت أصوات الطائرات، وعاد ضجيج الأرصفة، فتفتحت الأبواب المتعبة، وبدأت القهوة تسري من جديد في المقاهي التي أغلقتها الأيام الأولى من السيطرة على المدينة. لم تُنسَ اللحظة الأولى، لكنها لم تعد ثقلًا معلقًا فوق الرؤوس، بل رسمت نقطة بداية.

مشاركة المقال: