الأحد, 30 نوفمبر 2025 08:17 PM

الدراجات النارية في سوريا: حل اقتصادي أم خطر على الطرقات؟

الدراجات النارية في سوريا: حل اقتصادي أم خطر على الطرقات؟

رغم ما قد تبدو عليه من خطورة، أصبحت الدراجات النارية وسيلة التنقل الأكثر شيوعًا في مناطق دمشق وريفها، وفي الأرياف السورية بشكل عام. فهي اليوم ليست مجرد وسيلة نقل، بل أداة للعمل التجاري، قادرة على قطع مسافات طويلة وحمل أوزان تصل إلى نصف طن في كثير من الأحيان. حتى أنها تستخدم في عمليات "التهريب" عبر الحدود اللبنانية- السورية.

قبل سقوط نظام الأسد، كانت الدراجات النارية تقتصر على أنواع محددة مثل "البارت" (PART) و"جيالينغ" (Jialing) وياماها (Yamaha)، بينما كان وجود دراجات "BMW" نادرًا جدًا. اليوم، تبدو الدراجات النارية حلاً مناسبًا لتلبية الاحتياجات والتنقل، خاصة مع عجز معظم السوريين عن شراء السيارات، حيث تشير إحصائيات الأمم المتحدة إلى أن 90% منهم يعيشون تحت خط الفقر.

لا إحصائيات والطلب مرتفع

أفادت وزارة النقل لـ "عنب بلدي" بأنه لا توجد حاليًا إحصائية دقيقة لعدد الدراجات النارية في سوريا، حيث يجري العمل على "ترتيب وضع الدراجات ووضع قانون يناسبها". وبالمثل، صرحت هيئة المنافذ البرية والبحرية لـ "عنب بلدي" بأنه لا توجد لديها إحصائيات حول عدد الدراجات النارية التي دخلت الأراضي السورية منذ سقوط النظام السابق في 8 كانون الأول 2024 حتى الآن.

في عام 2021، صرح مدير النقل الطرقي في وزارة النقل التابعة للنظام السابق، محمود أسعد، لصحيفة "تشرين" (الحرية حاليًا)، بأن عدد الدراجات النارية النظامية في سوريا يبلغ 600 ألف دراجة. بينما أشار تقرير لقناة "العالم سوريا" (المقربة من إيران والمدعومة من نظام الأسد المخلوع) إلى أن العدد وصل إلى مليون دراجة قبل الحرب، وهو ما لم تتمكن "عنب بلدي" من التحقق منه من مصدر مستقل.

وفقًا لبحث وإحصاء أجرته "عنب بلدي"، هناك سبع شركات كبرى تستورد الدراجات النارية بشكل أساسي، وأربع شركات متوسطة، بالإضافة إلى حوالي 200 معرض موزعة في مختلف أنحاء سوريا تبيع الدراجات النارية وقطع الغيار.

في 18 حزيران الماضي، نقلت وكالة "سانا" الرسمية عن مدير صناعة مدينة حسياء الصناعية، علي عطفة، أنه جرى التصديق على ما يقارب 5000 شهادة منشأ خاصة بالدراجات النارية. وفي 26 أيار الماضي، أصدر وزير الاقتصاد والصناعة، محمد نضال الشعار، قرارًا بإعفاء الشركات المرخصة المختصة بصناعة وتجميع الدراجات النارية والكهربائية من رسوم تصديق شهادات المنشأ من غرف الصناعة.

يرى أستاذ التمويل والمصارف في كلية الاقتصاد بجامعة "حماة"، الدكتور عبد الرحمن محمد، أن سوق الدراجات النارية في سوريا سوق نامٍ يتمتع بشريحة واسعة من المستهلكين، حيث يعتمد الكثيرون على الدراجات كوسيلة نقل اقتصادية وسريعة، مستندًا إلى تقديرات عام 2021 التي تشير إلى وجود 600 ألف دراجة.

ويعكس هذا العدد، بحسب ما قاله محمد لـ "عنب بلدي"، الطلب المتزايد على وسائل النقل الشخصية في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.

وفرة تريح ذوي الدخل المنخفض

كمال حسين، صاحب متجر لبيع الدراجات النارية وقطع غيارها في الزبداني، يرى أن السوق شهد تحسنًا كبيرًا بعد سقوط نظام الأسد. فبينما كانت الدراجات تقتصر على نوعية "بارت" بشكل أساسي، أصبحت هناك أنواع أخرى وأكثر تطورًا يجري استيرادها من الصين وتركيا واليابان.

وقال كمال لـ "عنب بلدي": "مع انفتاح السوق أصبحنا نرى بضاعة لم نكن نحلم بها، لقد بتنا نبيع ونشتري كما نشاء وبأسعار معقولة، بينما كان تجار بعينهم (لم يسمِّهم) يحتكرون البرغي فلا يبيعونه إلا بأثمان باهظة".

وأشار إلى أن أسعار الدراجات النارية (الجديدة) تتراوح بين 750 و1300 دولار، بينما يتراوح سعر المستعملة بين 250 و500 دولار، مرجعًا تفاوت السعر إلى "طبيعة الدراجة ونظافتها وقدمها".

خالد خيطو (23 عامًا) يملك دراجة نارية، أشار إلى أن تكاليف الإصلاح الدوري للدراجة تتراوح ما بين 900 ألف ليرة سورية (78 دولارًا) ومليوني ليرة (173 دولارًا) بشكل كامل، بينما تختلف تكلفة كل إصلاح طارئ حسب العطل.

وعبّر خالد عن ارتياحه لتوفر قطع الغيار بشكل مستمر، واستقرار سعر الوقود في السوق وتوفره، مشيرًا إلى دفعه تكاليف باهظة للحصول على قطعة غيار أو بعض الوقود "الحر" في عهد النظام السابق.

على الجانب الآخر، يرى الخبير بشؤون النقل عامر ديب، أن الدراجات النارية باتت اليوم حلًا لذوي الدخل المنخفض.

واعتبر، في حديث إلى "عنب بلدي"، أنه على الرغم من اختلاف أنواع وأحجام الدراجات النارية، فإن استخدامها يقتصر من وجهة نظره على أصحاب المشاريع الصغيرة، كالتوصيل وغيرها من النشاطات.

وقال إن النشاط الاقتصادي يضع الدراجات النارية في خانة تلك المشاريع، كحل للتنقل وتخفيف تكاليف التشغيل على أصحابها، مشيرًا إلى ضرورة حصولهم على موافقة من "هيئة موافقالمشاريع الصغيرة والمتوسطة" على أن يتعهدوا بحسن الاستخدام وعدم الإزعاج والخضوع لدورة سياقة.

حوادث قاتلة

رغم فائدتها في الظروف الاقتصادية الصعبة التي تشهدها سوريا، انقسمت الآراء بين من يراها حلًا إيجابيًا واقتصاديًا، وبين من يراها مصدر إزعاج يجب تقنينه وضبطه.

وانتشرت في دمشق وريفها الدراجات النارية بكثرة، فهناك من اختارها لتكون وسيلته للتنقل كما حال معظم أهالي الزبداني (يعمل غالبهم في البناء والزراعة) حيث تمثل الدراجة النارية بالنسبة لهم "شريان الحياة"، كما قال "أبو محمد غانم" وهو عامل بناء في مدينة جديدة يابوس، ويذهب إلى عمله يوميًا عبر الدراجة.

وأضاف لـ "عنب بلدي": "أذهب أنا والعامل الذي برفقتي على الدراجة، حيث تبلغ تكلفة الرحلة ثمن ليترين من الوقود فقط، أي ما يقدّر بـ22 ألف ليرة (دولاران)" ما يسمح له بالاستمرار في العمل وتحقيق قدر كافٍ من المعيشة الكريمة.

وعلى النقيض من "أبو محمد"، فإن هناك عشرات الدراجات التي يركبها القاصرون يوميًا في الزبداني، في واقع أقل ما يصفه الأهالي بأنه "سيئ"، مطالبين الحكومة بوضع حد للممارسات "الرعناء" التي يمارسها راكبو الدراجات.

وشهدت سوريا منذ بداية العام الحالي تزايدًا بعدد حوادث الدراجات النارية، إذ سجلت 847 حادثًا خلّفت 62 حالة وفاة، وتقدّر نسبة الوفيات إلى الحوادث بـ7.32%.

وقال مدير إدارة المرور، العميد فادي هميش، لـ "عنب بلدي" في وقت سابق، إن الفترة الأخيرة شهدت تزايدًا ملحوظًا في عدد حوادث السير التي كان أحد أطرافها أو كلاهما دراجات نارية، ويعود سبب ازدياد الحوادث، وفقًا لهميش، إلى الزيادة الكبيرة بعدد الدراجات النارية داخل المدن، إضافة إلى أسباب أخرى.

ووفق إحصائية إدارة المرور، سجلت محافظة دمشق 138 حادثًا و18 حالة وفاة، بينما سجل ريفها 179 حادثًا دون تسجيل أي حالة وفاة، وفقًا لإحصائية حديثة لمديرية المرور.

الخبير في شؤون النقل عامر ديب، يرى أن مشكلة الدراجة النارية، وتحديدًا في دمشق، هي عدم الضبط والعشوائية فيها إضافة إلى الإزعاجات التي يسببها الاستخدام "الأرعن والطائش".

ولضبط هذا السوق، بحسب ديب، يجب على محافظة دمشق التعاون مع مديريات النقل لإلزام كل دراجة تستخدم البنزين بتركيب كاتم صوت.

وتابع أن المشكلة ليست الدراجات بل من يقودها، إذ إنها تستخدم في حالات خطف وسرقة، وهي خطر على الأمن والسلم الأهلي.

وطالب ديب بضبط آليات الامتلاك والترسيم والشراء، عبر وضع رقم مخصص لكل دراجة موثق في مديريات النقل والبلديات والمرور، لضمان المحاسبة في حال انتهاك مرتكبي الدراجات القوانين.

مشاركة المقال: