الاقتصاد السوري في 2025: تحولات كبرى من العزلة إلى التعافي المشروط وإعادة البناء


هذا الخبر بعنوان "بانوراما الاقتصاد السوري 2025: الانتقال من العزلة إلى إعادة البناء" نشر أولاً على موقع Syria 24 وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
شهد الاقتصاد السوري خلال عام 2025 تحولات جوهرية وغير مسبوقة، وذلك في أعقاب سقوط النظام السابق نهاية عام 2024. انتقلت البلاد من مرحلة الانكماش والعزلة الدولية إلى مرحلة إعادة الانفتاح والتعافي المشروط، في ظل بيئة سياسية جديدة ومساعٍ حثيثة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها الاقتصادية. يرصد هذا التقرير أبرز التحولات الاقتصادية التي شهدتها سوريا خلال عام 2025، بالإضافة إلى أهم القرارات الحكومية في الملف الاقتصادي.
دخل قانون قيصر الأميركي حيّز التنفيذ عام 2020، وفرض حصارًا اقتصاديًا خانقًا على سوريا لمدة خمس سنوات. شمل هذا الحصار الحكومة، المصرف المركزي، وقطاعات الطاقة والإعمار، وأوقف فعليًا الاستثمار الخارجي والتحويلات الرسمية. في عام 2025، صدر قرار رسمي برفع الإطار العام لقانون قيصر، بعد توقيع الرئيس الأميركي دونالد ترمب مرسومًا تنفيذيًا يقضي بإنهاء العمل بالعقوبات الاقتصادية الشاملة، مع الإبقاء على عقوبات فردية مرتبطة بانتهاكات حقوق الإنسان.
ترافق هذا التحول مع تسوية متأخرات سوريا لدى البنك الدولي بقيمة 15.5 مليون دولار بدعم من السعودية وقطر، ما سمح بإعادة فتح قنوات مالية وتجارية كانت مغلقة لأكثر من عقد.
في منتصف عام 2025، نُفذ أول تحويل مصرفي سوري عبر نظام SWIFT منذ أكثر من 14 عامًا. اعتُبرت هذه الخطوة مؤشرًا عمليًا على كسر العزلة المالية وعودة التجارة والتحويلات النظامية، على الرغم من تأكيد المؤسسات الدولية أن هذه العودة تبقى تقنية ومشروطة بإصلاحات مصرفية وقانونية أوسع.
قدّر البنك الدولي نمو الناتج المحلي السوري بنحو 1% خلال عام 2025، بعد انكماش بلغ نحو -1.5% في عام 2024. اعتبر البنك أن هذا التحسن الطفيف يعكس انتقال الاقتصاد من الانهيار إلى التعافي الهش، دون أن يعني دخول مرحلة نمو فعلي ومستدام.
شكّل ملف الرواتب والأجور أحد أبرز الملفات الاجتماعية-الاقتصادية التي تعاملت معها الحكومة خلال عام 2025، في ظل تدهور القدرة الشرائية للموظفين وارتفاع تكاليف المعيشة إلى مستويات غير مسبوقة خلال سنوات الحرب والعقوبات. قبل عام 2025، كان الحد الأدنى لراتب موظف القطاع العام يقارب 250 ألف ليرة سورية شهريًا، وهو مستوى لم يكن يغطي سوى جزء ضئيل من الاحتياجات الأساسية للأسرة.
في النصف الأول من عام 2025، أُقرّت زيادة رسمية على الرواتب والأجور بنسبة 200%، ما رفع الحد الأدنى للأجر إلى نحو 750 ألف ليرة سورية شهريًا، أي ثلاثة أضعاف المستوى السابق. كانت الحكومة قد أعلنت في بداية العام نيتها تنفيذ زيادات قد تصل إلى 400%، إلا أن ما نُفذ فعليًا واستقر في المراسيم التنفيذية كان رفعًا بنسبة 200% فقط، ضمن قدرة الخزينة العامة والموارد المتاحة. ورغم أن هذه الزيادة مثّلت من حيث النسبة واحدة من أكبر الزيادات الاسمية في تاريخ الرواتب في سوريا، إلا أن أثرها الفعلي على مستوى المعيشة بقي محدودًا، إذ أشارت تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والطاقة والإيجارات امتصّا جزءًا كبيرًا من هذه الزيادة.
في 29 أيار/مايو 2025، وقّعت الحكومة السورية اتفاقية بقيمة تقارب 7 مليارات دولار مع تحالف دولي بقيادة شركة أورباكون القطرية لتطوير قطاع الكهرباء. تضمنت الاتفاقية إنشاء أربع محطات تعمل بالغاز الطبيعي بطاقة إجمالية تبلغ نحو 4000 ميغاواط، إضافة إلى مشاريع طاقة شمسية بطاقة تقارب 1000 ميغاواط. توزعت المشاريع على شمال حلب (1200 ميغاواط)، دير الزور (1000)، زيزون (1000)، ومحردة (800). وفي ديسمبر 2025، وُضع حجر الأساس لمحطة دير الزور بقدرة 1000 ميغاواط، إيذانًا ببدء التنفيذ الميداني.
شهد عام 2025 توقيع مذكرات تفاهم واتفاقيات استثمارية تراوحت قيمتها بين 14 و25 مليار دولار خلال مؤتمرات عُقدت في دمشق والرياض ومعرض دمشق الدولي. من أبرز هذه المشاريع، مشروع توسعة مطار دمشق الدولي بقيمة 4 مليارات دولار، وتطوير ميناء طرطوس بقيمة 800 مليون دولار.
خففت الحكومة القيود على استيراد الغذاء والدواء والوقود، وألغت أنظمة الاحتكار السابقة، ما أدى إلى تحسن توفر السلع الأساسية في السوق المحلية، دون أن يمنع استمرار ارتفاع الأسعار بسبب ضعف العملة وتكاليف النقل والطاقة. في هذا السياق، صدرت سلسلة قرارات لتنظيم الاستيراد والتصدير، منها القرار رقم /3/ لعام 2025 الذي قضى بوقف استيراد بعض المنتجات الزراعية خلال كانون الثاني 2026، والمرسوم الرئاسي رقم 244 لعام 2025 الذي أنشأ الهيئة العامة للحدود والجمارك، إضافة إلى القرار رقم 354 الذي منع تصدير خردة المعادن مؤقتًا.
في تموز/يوليو 2025، صدر قرار بإعفاء نقل معدات المصانع والمعدات الإنتاجية من الرسوم الجمركية والضرائب حتى نهاية 2026، بهدف تشجيع عودة المعامل إلى الداخل السوري وخفض كلفة إعادة التشغيل. وبحسب وزارة الاقتصاد، تجاوز عدد طلبات الاستفادة من هذا الإعفاء 1,250 طلبًا حتى نهاية تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
برزت خلال عام 2025 سياسة إعادة هيكلة الاقتصاد السوري عبر السيطرة على أصول وشركات كانت مرتبطة بالنظام البائد، وإعادة إدارتها ضمن إطار مؤسسي جديد تمثّل في إنشاء صندوق سيادي يتبع مباشرة لرئاسة الجمهورية. يهدف هذا الصندوق إلى جمع هذه الأصول، إدارتها، وإعادة توظيفها داخل الدورة الاقتصادية الرسمية بدل بقائها مجمّدة أو محل نزاع.
أفادت تحقيقات موسّعة نشرتها وكالة رويترز بأن لجنة خاصة أُنشئت بعد سقوط النظام أشرفت على التفاوض مع رجال أعمال نافذين كانوا يسيطرون على شركات استراتيجية. أسفرت هذه العملية حتى منتصف 2025 عن تجميع أصول تُقدّر قيمتها بما لا يقل عن 1.6 مليار دولار، شملت قطاعات الاتصالات، المصارف، الصناعات الثقيلة، والعقارات، إضافة إلى السيطرة على نحو 1.5 مليار دولار من أصول ثلاث شركات كبرى، إلى جانب شركة الاتصالات الرئيسية التي تُقدّر وحدها بنحو 130 مليون دولار.
وبحسب الرواية الرسمية، يهدف الصندوق السيادي إلى إعادة تشغيل المعامل المتوقفة، إدخال الشركات إلى شراكات بين القطاعين العام والخاص، وتوجيه العوائد نحو تمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الأساسية، في محاولة لتحويل هذه الأصول من أدوات نفوذ سياسي سابق إلى أدوات إنتاج وتنمية اقتصادية. غير أن هذا المسار لا يزال يثير نقاشًا واسعًا في الأوساط الحقوقية والاقتصادية، حيث تحذّر منظمات دولية من مخاطر غياب الأطر القضائية الواضحة لحماية حقوق الملكية وضمان العدالة الانتقالية، معتبرة أن نجاح هذا النموذج مرتبط بمدى شفافيته، خضوعه للمساءلة القانونية، وقدرته على الفصل بين إعادة الهيكلة الاقتصادية وممارسات المصادرة غير المنضبطة.
شهدت المحافظات السورية حملات تبرعات تجاوز مجموعها 1.06 مليار دولار، خُصصت لإعادة تأهيل المدارس والمستشفيات وشبكات المياه وبعض المنشآت الصناعية.
قدّر البنك الدولي كلفة إعادة إعمار سوريا بنحو 216 مليار دولار، مع نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، معتبرًا أن عام 2025 مثّل انتقالًا من مرحلة التعافي المبكر إلى التفكير الجدي في إعادة الإعمار.
أُعلن خلال 2025 عن بدء استبدال العملة السورية بموجب المرسوم رقم 293 لعام 2025، مع حذف صفرين من القيمة الاسمية، على أن يبدأ التداول في كانون الثاني/يناير 2026، بهدف تسهيل المعاملات وتعزيز الثقة النقدية.
يُظهر مسار عام 2025 أن سوريا خرجت من مرحلة الانكماش المغلق إلى مرحلة إعادة التموضع الاقتصادي، عبر فك العزلة، تحرير جزئي للتجارة، إعادة توطين الصناعة، إطلاق مشاريع بنيوية، وإصلاحات نقدية أولية. غير أن هذا الانتقال يبقى هشًا ومحكومًا بقيود مؤسسية ومالية واجتماعية، ما يجعل نجاحه مرهونًا بترسيخ سيادة القانون، حماية الحقوق الاقتصادية، جذب الاستثمار المنتج، وتحويل التعافي التقني إلى تنمية حقيقية يشعر بها المواطن في حياته اليومية.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد