داريا بعد التحرير: هل تنجح أيقونة الثورة في بناء نموذج للحكم المحلي؟


هذا الخبر بعنوان "داريا بعد عام من التحرير.. من أيقونة الثورة إلى اختبار الحكم المحلي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
مثّلت مدينة داريا، منذ بدايات الحراك الثوري السوري في عام 2011، واحدة من أبرز نقاط الوعي الثوري والعمل السلمي، حيث تميزت بتجربة مبكرة في التنظيم والعمل الجماعي. أسهم ناشطوها في سنوات الثورة الأولى في محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين المجتمع والدولة، مقدمين جهودًا في العمل المدني ثم في تنظيم العمل المسلح. ورغم تعثرهم في بعض المواضع ونجاحهم في أخرى، تمكنت آلة الحرب من السيطرة على المدينة، مما أدى إلى تهجير سكانها ومقاتليها وناشطيها بعد أربع سنوات من الحصار.
كان سقوط داريا، التي مثّلت رمزًا ثوريًا وتنظيميًا مهمًا رغم بعض نقاط الضعف، مؤثرًا معنويًا في بقية المناطق المحاصرة، مما مهد لسيطرة النظام السابق على أجزاء واسعة من الغوطة الغربية، ثم الغوطة الشرقية والجنوب السوري. ومع سقوط ذلك النظام، دخلت داريا مرحلة جديدة تختلف جوهريًا، حيث تحول التحدي من مواجهة سلطة قمعية إلى إدارة مجتمع أنهكته الحرب وأثقلته تراكمات نفسية واجتماعية واقتصادية معقدة. يطرح هذا التحول الجذري سؤالًا محوريًا: هل تستطيع داريا، بإرثها الثوري، أن تكون نموذجًا للحكم المحلي بعد أن كانت رمزًا للثورة، أم أن تراكم الأزمات يعيق تطلعات بناء الدولة؟ للإجابة، لا بد من قراءة التغيرات التي شهدتها المدينة في السنة الأولى بعد التحرير على مستويات الأمن والخدمات والمشاركة المجتمعية.
كان التحول الأمني أول ما شعر به سكان المدينة بعد سقوط النظام السابق، حيث مثل اختفاء الأجهزة القمعية تحررًا من سنوات الخوف والرقابة والعقاب الجماعي. غير أن هذا التحول لم يترجم في الأشهر الأولى إلى إحساس راسخ بالأمان؛ فبالرغم من غياب الاعتقالات والقمع بسبب الرأي، فإن الضعف المهني للمنظومة الأمنية أثر في القدرة على فرض النظام العام واحتواء الانفلات الفردي. كما أن انتشار السلاح، وإن تراجعت بعض مظاهره، لا يزال مصدر قلق. يمكن تفسير هذا الواقع بأنه طبيعي في المجتمعات الخارجة من صراع؛ فالحالة الأمنية لم تعد تهديدًا مباشرًا، لكنها لم تصل بعد إلى استقرار عام من حيث مهنية القائمين على الأمن وسيادة القانون. ومع ذلك، يمكن ملاحظة تحسن عام في الوضع الأمني مقارنة بالأشهر الأولى، لكن أداء الأجهزة القائمة ما يزال ضعيفًا نوعًا ما، حيث تفتقر إلى المهنية والتدريب والمرجعية القانونية الواضحة، وهو ما يمكن معالجته بدورات تدريبية دورية.
في الجانب الخدمي، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فمن جهة، شهدت داريا تحسنًا ملموسًا في بعض القطاعات؛ فقد رُممت مدارس وأعيد افتتاحها، وعادت كوادر تعليمية للعمل، وقدمت خدمات صحية بدعم من منظمات إنسانية، كما رُممت بعض الشوارع الرئيسية. وشهد قطاع الكهرباء تحسنًا ملحوظًا، حيث ازدادت ساعات وصول الكهرباء إلى 8 ساعات يوميًا تقريبًا بعد أن كانت ساعة واحدة. لكن هذا التحسن لا يخفي الواقع المتردي الذي يعانيه السكان؛ فشبكات المياه والكهرباء تعاني تهالكًا شديدًا، ويعتمد السكان، خاصة في المناطق الغربية، على حلول مؤقتة أو بديلة مرتفعة التكلفة. وما يزال جزء كبير من شوارع المدينة بحاجة إلى ترميم واسع، فضلًا عن الانتشار الواسع للسكن العشوائي في ظل غياب رقابة البلدية أو مخططات تنظيمية جديدة، وعدم معالجة وضع الأحياء المدمرة. تُظهر هذه الأوضاع حجم الفجوة بين الاحتياجات الفعلية للسكان وقدرة المؤسسات المحلية على الاستجابة. والأخطر هو التفاوت المكاني في توزيع الخدمات، مما يخلق شعورًا متزايدًا بالغبن وعدم العدالة، وقد يعكس غياب الخطط الإستراتيجية القائمة على أولويات ومعايير واضحة.
أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها تجربة داريا هو مدى تحول السكان من متلقين إلى فاعلين في صنع القرار. نظريًا، أتاح سقوط النظام مساحة أوسع للتعبير والمشاركة، لكنها بقيت محدودة عمليًا. فالهياكل الإدارية تشكلت بالتعيين لا بالانتخاب، وهو ما يفهم في سياق المرحلة الانتقالية، لكنه يضعف الإحساس بالتمثيل ويجعل المشاركة أقرب إلى الاستشارة الشكلية. كما أن الإرث الثقافي للمجتمع، المتراكم من عقود الحكم المركزي والقمع، لا يزال حاضرًا، مما يجعل كثيرًا من السكان يرون في الشأن العام مجالًا محفوفًا بالمخاطر ويفضلون الانكفاء على شؤونهم الخاصة، إضافة إلى انشغالهم بالتحديات اليومية والمعيشية. في الوقت نفسه، تميل إدارة المدينة إلى اتخاذ القرار من أعلى، بدافع الحرص أو الخوف من الفوضى. أما دور النساء، فرغم حضورهن اللافت في العمل الإنساني والتعليمي، فإن مشاركتهن في مواقع صنع القرار ما زالت محدودة ومحكومة بعوامل اجتماعية وثقافية راسخة، مما يعكس فجوة بين الخطاب الداعم والممارسة الفعلية.
من أبرز التحولات الاجتماعية في داريا بعد سقوط النظام، الانقسام غير المعلن بين فئتين من السكان: الذين بقوا داخل المدينة خلال سنوات سيطرة النظام السابق، والذين عادوا إليها من الشمال السوري أو من خارج سوريا بعد سنوات من التهجير أو اللجوء. ورغم انتمائهم للمدينة ذاتها وذاكرتهم الجمعية، تسببت التجربة المعيشية المختلفة في فجوة نفسية واجتماعية واضحة انعكست على أنماط تفاعلهم وتصوراتهم حول المشاركة. ينظر بعض المقيمين إلى العائدين بوصفهم «قادمين من الخارج» لم يعيشوا المعاناة اليومية، ويرون أنهم يحظون بفرص أكبر في الوصول إلى القرار أو الدعم بحكم شبكات علاقاتهم. بينما يشعر كثير من العائدين بأن سنوات بعدهم عن مدينتهم قد تستخدم للنظر إليهم بريبة، رغم فقدانهم لبيوتهم ومصادر رزقهم. هذا الانقسام لا يظهر كصدام مباشر، بل يتجلى في تفاصيل الحياة اليومية كفرص العمل لدى المنظمات ومواقع المسؤولية، وفي الخطاب المتداول حول العائدين من إدلب، وفي الثقة المتبادلة. ومع الوقت، قد يتحول هذا التمايز الصامت إلى حاجز نفسي يعوق تشكل هوية جامعة ويضعف العمل المشترك. وتزداد خطورته إذا تقاطع مستقبلًا مع مسألة المشاركة السياسية، حيث يشعر البعض بالإقصاء، بينما يرى آخرون أن من لم يعش تجربة الحصار أو التهجير إلى إدلب لا يملك «الشرعية الأخلاقية» للمشاركة. يتطلب تجاوز هذا الانقسام اعترافًا متبادلًا بالتجارب المختلفة، وإقرارًا بأن معاناة الحرب كانت قاسية على الجميع بطرق مختلفة، إضافة إلى سياسات واعية تعزز الاندماج الاجتماعي وتفتح المجال لمشاركة عادلة تقوم على الكفاءة، فإعادة بناء داريا لا تكتمل دون ترميم نسيجها الاجتماعي.
من أبرز التحديات التي تواجه التجربة الحالية في داريا مسألة الشرعية. فالإدارة المحلية، رغم مهامها الحيوية، لم تنبثق عن عملية انتخابية شاملة. ورغم أن هذا قد يكون ضرورة في مرحلة انتقالية مفاجئة، إلا أن استمراره دون تغيير سيجعل الشرعية موضع تساؤل لدى شرائح من المجتمع، مما يشير إلى علاقة ملتبسة بين المجتمع والسلطة. وقد تتفاقم هذه المسألة في ظل غياب آليات واضحة للمساءلة وضعف الشفافية في اتخاذ القرار، وهو ما يعمق الشعور بالمسافة بين السكان ومراكز القرار. ويضاف إلى ذلك أن التفاوت في توزيع الخدمات، وغياب رؤية معلنة أو خطة إستراتيجية، يكرسان الانطباع بأن الإدارة تعمل بمنطق إدارة الأزمات لا بمنطق التخطيط الإستراتيجي. ومع ذلك، فإن هذا الوضع لا يخلو من إمكانات كامنة وفرص متاحة للنهوض، فالمجتمع يمتلك خبرة لا بأس بها في العمل الجماعي والتنظيم، ويمكن البناء على ذلك لإعادة صياغة العلاقة بين المجتمع والسلطة على أسس أكثر توازنًا.
على الرغم من التحديات المتراكمة، فإن تجربة داريا لا تخلو من عناصر أمل حقيقية. فوجود إدارة محلية، وإن كانت محدودة الموارد والصلاحيات، يشكل نقطة انطلاق يمكن تطويرها نحو نموذج أكثر شمولًا ومأسسة. كما أن الإرث المدني الذي راكمته المدينة خلال سنوات الثورة يوفر قاعدة اجتماعية يمكن استثمارها لتطوير المدينة على مستويات مختلفة. يتطلب ذلك الانتقال من منطق الإدارة المؤقتة إلى التخطيط طويل الأمد، ومن الحلول الإسعافية إلى السياسات المستدامة. كما يتطلب مشاركة الجميع في إدارة المدينة، سواء المقيمين بمعرفتهم بالمشكلات، أو المقيمين في الخارج بتصوراتهم المتطورة. ويشمل ذلك تطوير آليات المشاركة الشعبية، وإجراء انتخابات محلية شفافة (حتى لو اقتصرت على لجان الأحياء في البداية)، وبناء قنوات تواصل فعالة، والاستثمار في بناء القدرات الإدارية والفنية. ويعد تعزيز دور المرأة في مواقع القرار شرطًا أساسيًا لأي تغيير حقيقي واستدامة أي مشروع تنموي أو سياسي، وهو ما لا يتعارض مع الخصوصية الثقافية أو الدينية، ومثال ذلك المجتمع المحافظ في تركيا الذي ازداد نجاحًا بتعزيز دور المرأة. ولا يقل أهمية عن ذلك ترميم الثقة بين المجتمع والمؤسسات عبر الشفافية والمساءلة والعدالة في توزيع الخدمات، وتبني خطاب جامع يتجاوز الانقسامات.
إن تجربة داريا، بتحدياتها، تمثل مختبرًا حيًا لفهم تعقيدات المرحلة الانتقالية في سوريا؛ فهي تكشف أن الخروج من الاستبداد لا يعني تلقائيًا بناء حكم رشيد، وأن مسار الانتقال من الثورة إلى الدولة طويل ومليء بالعقبات. غير أن هذه التجربة، بإنجازاتها وإخفاقاتها، تتيح فرصة نادرة للتعلم وإعادة التفكير في نماذج الحكم المحلي الممكنة. فإذا ما أُحسن استثمار دروسها، يمكن لداريا أن تتحول من رمز للصمود إلى نموذج لإعادة بناء الدولة والمؤسسات، يقوم على المشاركة والعدالة والشفافية. وفي النهاية، فإن مستقبل داريا، كما مستقبل سوريا عمومًا، لن يُحسم بقرارات سياسية عليا فقط، بل بقدرة المجتمعات المحلية على معالجة المشكلات واستخلاص الدروس منها، وتحويل الذاكرة إلى مشروع ومستقبل ليكون أساسًا في بناء عقد اجتماعي جديد أكثر إنصافًا.
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي