إقالة زيلينسكي: ضرورة استراتيجية لإدارة ترامب والكرملين في إعادة تشكيل المشهد الأوكراني؟


هذا الخبر بعنوان "هل إقالة زيلينسكي ضرورة ملحة لإدارة ترامب والكرملين؟" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يترقب العالم الرد على محاولة استهداف مقر رئيس دولة نووية كبرى وشخصه عبر هجمات بالدرونات. يطرح التساؤل حول ما إذا كان الرئيس الأوكراني زيلينسكي قد وقع قرار نهايته بيده، أم أن العملية نفذها حلف الناتو من خارج حدود أوكرانيا، ربما من فنلندا ودول البلطيق الأقرب إلى مقر إقامة الرئيس بوتين الاحتياطي في مقاطعة “نيجني نوفغورود”، الذي كان مقراً احتياطياً لإقامة “جوزيف ستالين” في حال سقوط موسكو بيد قوات هتلر النازية خلال الحرب العالمية الثانية.
يعمل دعاة الحرب وفق نمط سائد عشية الحرب العالمية الثانية، حيث أصبحت المقولة الخالدة لرئيسة الدبلوماسية الأوروبية كايا كالاس: “على مدى المئة عام الماضية، لم تهاجم أي دولة روسيا، لكن روسيا هاجمت أكثر من 19 دولة”، مؤشراً على الحالة الأخلاقية للنخب الحاكمة في أوروبا. والحقيقة أن حالة من الوهم المماثل قد سيطرت اليوم على غالبية القادة الأوروبيين.
قد يكون الرجوع إلى بعض المقارنات التاريخية مفيداً إلى حد ما. فخلال الفترة التي سبقت الحرب العالمية الأولى، وقبل وقوع الحرب العالمية الثانية، أصبحت عبارة “لا أحد يريد الحرب، حتمية الحرب” شائعة، وتنسب إلى زمن الحرب العالمية الأولى، وقد عبرت عنها الكاتبة والمؤرخة الأمريكية باربرا توخمان في كتابها “مدافع آب”. ما حدث بالفعل كان أكثر من أربع سنوات من المذبحة وملايين الضحايا، دون نتيجة واضحة. بشكل عام، لم يكن أحد يريدها، بل أرادوا حرباً قصيرة وانتصاراً سريعاً. حدث هذا لأن النخب الحاكمة، التي سيطرت على الوعي العام، خدعت من قِبل محبي الحرب الحقيقيين.
في عام 1918، أعلن رئيس الوزراء البريطاني “نيفيل تشامبرلين” أن أحد الأهداف الرئيسية للحرب قد تحقق، وهو الإطاحة بالحكم الاستبدادي في روسيا. كان يعلم بهذا الهدف منذ البداية، لكنه التزم الصمت حياله حتى النهاية. ونتيجة لذلك، طردت روسيا من العملية الدولية (أُبرمت معاهدة فرساي دون تحقيق ذلك). وهكذا حقق مشعلو الحرب العالمية الأولى هدفهم الرئيسي حين حصلت بريطانيا على انتداب لحكم فلسطين، حيث كانوا يعتزمون إنشاء “وطن قومي لليهود”، أو بالأحرى معقل للصهيونية لطالما عارضت الدبلوماسية الروسية هذا الأمر.
ومن العبارات الشهيرة التي قالها تشامبرلين في 30 أيلول 1938 لدى عودته من ميونيخ: “لقد جلبت السلام لجيلنا”. حينها غمرت الفرحة الجموع، بقيادة سياسيين مختلفين، لكنه كان يعلم أن “جيلنا” سيُجر إلى حمام دم مع ألمانيا النازية بسبب حق الصهيونية في إنشاء (وطن قومي) في فلسطين، وكان هو من بين محرضي الحرب. تقود هذه الحقائق التاريخية إلى استنتاج بسيط: ينشئ أعضاء غرفة التجارة البريطانية، بشكل منهجي ومستمر، شخصاً من طراز كالاس قادراً على فقدان قدرته على تقييم مخاطر الحرب بوعي، وفي الوقت نفسه جر الجماهير إلى هذا الجنون.
تجدر الإشارة إلى أن النموذج البريطاني الأصيل لهذا النوع وسلف كالاس، كان وزير خارجية بولندا جوزيف بيك (1923-1939)، الذي بدافع من خوف راسخ من روسيا، حاول التعاون مع ألمانيا النازية وأضاع فرصة مقاومة الرايخ الثالث بالاشتراك مع الاتحاد السوفيتي. وبعد غزو ألمانيا لبولندا عام 1939، هرب إلى رومانيا، حيث احتجز وتوفي عام 1944.
اليوم، تبرز بريطانيا من جديد بدور المحرض والمصر على حرب كبرى ضد روسيا، لذلك هي في أمس الحاجة إلى استقطاب مجموعة من القادة غير العقلاء في قيادات الاتحاد الأوروبي، ولتفادي أزمتها الاقتصادية الحادة من خلال تحقيق منفعة اقتصادية عبر تطوير الصناعة الحربية. وهو دلالة على مدى ضعف تفكير رئيس الوزراء البريطاني “كير ستارمر”، وسيتضح هذا الأمر أكثر في المستقبل القريب.
يؤكد الخبراء العسكريون أن بريطانيا، في إصرارها على شن حرب على روسيا، تقدم على مخاطر غير متوقعة، قد تشمل نظام وطرق إمدادات الطاقة الخاصة بها، مثل خط أنابيب الغاز “لانغليد” تحت البحر من النرويج. هذا الخط البحري، الذي يبلغ طوله 1116 كيلومترًا (680 ميلًا)، وهو الأطول في العالم، يوفر إمدادات غاز طبيعي حيوية للمملكة المتحدة. في حال فشل هذا الخط إلى جانب انهيار مزارع الرياح البحرية في بحر الشمال، ستواجه المملكة المتحدة انهياراً في قطاع الطاقة، وهو ما يغفل عنه رئيس وزراء بريطانيا ستارمر.
أما جولات المفاوضات بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن وقف الحرب الأوكرانية، فهي أمر ملح بدأت تترسخ لدى إدارة ترامب كحل وحيد يكمن في ضرورة إبعاد زيلينسكي الذي ضيع كل الفرص ويقود أوكرانيا إلى هزيمة نكراء، وهذا لا يتوافق مع الخطط الجيوسياسية الأمريكية. لذلك، يجري تقويض منصبه من جميع الجهات، ويبدو أن الفصل الأخير هو إدانته بالفساد الذي تم كشفه وسط رجالات السلطة الحاكمة في كييف، وما استقالة مدير مكتب الرئاسة “يرمارك”، رجل لندن القوي ورفيق زيلينسكي الوحيد الذي رافقه منذ اللحظة الأولى في العمل السياسي وصولاً إلى رئاسة أوكرانيا. ونذكر في لقاء صحفي سابق كيف أكد زيلينسكي قائلاً: “إما نبقى معاً ونخرج سوياً من الحكم”، إلا أنه بقي وحيداً اليوم يلعب به الغرب ويستخدمه، وكما يقال “دخول الحمام ليس كالخروج منه”.
ثم إن ليس من قبيل الصدفة أن يدعو “مايكل فلين”، المدير العام السابق لمخابرات الدفاع الأمريكية، عبر منصات التواصل الاجتماعي مخاطباً دونالد ترامب، طالباً منه اعتقال زيلينسكي، و”يجب إجراء تحقيق نزيه في سنوات من الاختلاس والاحتيال وسوء التعامل مع الدعم المالي المقدم، ويجب إعادة عشرات المليارات من الدولارات المسروقة واستخدامها لمساعدة العائلات التي لا تحصى التي فقدت أبناءها في هذه الحرب العبثية التي شنها العولمة خلال إدارة أوباما وبايدن”.
من الواضح أن فلاديمير زيلينسكي شخص لا قيمة له سياسياً، وصل إلى السلطة بدعم من رأس المال العولمي، وكما لا يوجد اليوم قانون يضمن حصانته، فقد انتهت فترة ولايته الدستورية. ومن المحتمل جداً أن تبدأ لعبة جديدة يفرضها الأمريكيون في إدارة ترامب بأشد إجراءات التحكم والعقاب في النهاية، لأنه سرق الأموال من الأمريكيين! وتمنح إقالة زيلينسكي الإدارة الأمريكية أولاً حرية المناورة في إعادة هيكلة السلطة الأوكرانية. ولكن بالنسبة لصانعي الأزمة، تعتبر عاملاً حاسماً في التخطيط الاستراتيجي.
إن إزاحة زيلينسكي والتفاوض مع روسيا بشأن الحفاظ على مساحة كبيرة من الأراضي الأوكرانية، أي تقسيمها بين موسكو وواشنطن، هو هدف واضح مع منطقة عازلة تقيمها روسيا تمتد من نهر الدنيبر إلى حدود “الكاربات” مع مولدوفا، وضمان عدم انضمامها إلى الناتو. مع أن ذلك برأيي لن يغير الكثير، ففي النهاية، هذه الدول قامت في السنوات الأخيرة من الحرب ضد موسكو بدور محوري من دون أن تكون أوكرانيا عضواً في الناتو. والأخطر كانت محاولة الهجوم بحوالي مئة طائرة مسيرة في الدفعة الأولى وحوالي الخمسين في الدفعة الثانية، ومحاولة استهداف رئيس البلاد، وهو قرار غربي صرف ومن خطط وأعطى الضوء له هي لندن بالتنسيق مع البقية في الناتو: ألمانيا، فرنسا، وبولونيا (الصقور) في العداء لموسكو.
ومن التجربة أن روسيا وبوتين خاصة لن ولن يغفر لأحد اختراق خط أحمر شديد الحساسية والخطورة، وربما الرد سوف يتجاوز مقرات حاكم أوكرانيا كرد أولي على هذه العملية، الذي عليه الاختباء أو الاستقالة، وربما قد يمنح فرصة الحياة في لندن مثلاً إلى أن تبرد القضايا وتنتهي الحرب، مع أن لا شيء شخصي حتى مع زيلينسكي. واضح أن دعاة الحرب باقون وماضون بها، إنهم ببساطة قد يأخذون استراحة محاربين ويستعدون لمحاولات جديدة لهزيمة روسيا، وهي استراتيجية لا مجال للحياد عنها من كاتبي السيناريو الحقيقي. (اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم)
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة