تقنية كريسبر: ثورة الطب الجيني بين الوعود العلاجية والمخاوف الأخلاقية والاقتصادية


هذا الخبر بعنوان "“كريسبر” بين الأمل والمخاوف… سباق علمي يعيد رسم خريطة الطب" نشر أولاً على موقع sana.sy وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٢ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
برزت تقنية “كريسبر-كاس9” (CRISPR-Cas9) كركيزة أساسية للطب الجيني الحديث في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين. هذه التقنية، المستوحاة من آلية دفاعية طبيعية في البكتيريا، تحولت من مجرد أداة بحثية إلى أمل علاجي واعد لمئات الأمراض الوراثية المحتملة، النادرة والمستعصية، في خضم سباق علمي واستثماري عالمي يعيد تشكيل ملامح الطب. تشير تقارير حديثة إلى أن سوق تقنيات التحرير الجيني قد بلغ 1.83 مليار دولار في عام 2024، مع توقعات بتجاوزه 14.7 مليار دولار بحلول عام 2032، مدفوعاً بتسارع التجارب السريرية والموافقات التنظيمية البارزة. وتُظهر بيانات ClinicalTrials.gov عشرات التجارب التي تستخدم كريسبر لعلاج أمراض مثل فقر الدم المنجلي والثلاسيميا وبعض أنواع السرطان واضطرابات العين.
تتصدر الولايات المتحدة السباق العالمي في الاستثمار بأبحاث وعلاجات كريسبر، حيث تحتضن شركات رائدة مثل “كريسب ثيرابيوتكس” و”إديتاس ميديسين” و”إنتيليا ثيرابيوتكس”، بدعم من المعاهد الوطنية للصحة ومؤسسات أكاديمية مرموقة. وتسجل الصين تقدماً سريعاً بفضل دعم حكومي قوي وشركات محلية نشطة مثل “جين سكريبت”، بينما يواصل الاتحاد الأوروبي تمويل مشاريع بحثية تعاونية ضمن برنامج “هورايزن أوروبا”.
على الرغم من هذا الزخم، لا تزال تحديات علمية وتقنية تعيق تعميم العلاجات، أبرزها مخاطر التعديلات خارج الهدف وصعوبة إيصال مكونات كريسبر إلى الخلايا المستهدفة. كما أن التكلفة الباهظة، التي تبلغ حوالي 2.2 مليون دولار للعلاج الواحد، تثير تساؤلات جدية حول إمكانية الوصول العادل لهذه التقنية الثورية، خاصة في ظل تركيز بعض الشركات على الأمراض الأكثر شيوعاً لضمان عائد استثماري أكبر.
مع اقتراب اعتماد أولى العلاجات التجارية، تتصاعد المخاوف الأخلاقية والقانونية بشأن حدود التعديل الجيني البشري. وقد دعت منظمة الصحة العالمية إلى وضع أطر تنظيمية عالمية ملزمة، مؤكدة أن التحرير الجيني يجب ألا يُستخدم إلا في ظروف خاضعة للرقابة الصارمة وبعد تقييم علمي وأخلاقي دقيق. وفي السياق ذاته، شددت اللجنة الدولية لأخلاقيات البيولوجيا التابعة لليونسكو على أن التحرير الجيني في الأجنة البشرية يمثل تعديلاً على الخط الجنسي ينتقل عبر الأجيال، مما يثير تساؤلات أخلاقية عميقة تتطلب توافقاً دولياً واسعاً قبل أي تطبيق، وهو ما يعكس حجم التحدي الأخلاقي المصاحب للتطور العلمي.
تشهد السوق العالمية تطورات تنظيمية متسارعة، حيث منحت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية في ديسمبر 2023 موافقتها التاريخية على أول علاج جيني يعتمد تقنية كريسبر لعلاج فقر الدم المنجلي والثلاسيميا بيتا، وهو العلاج المعروف باسم “كاسجيفي” (Casgevy). وتبعتها المفوضية الأوروبية بالموافقة على طرحه في الأسواق الأوروبية في فبراير 2024، في خطوة اعتُبرت تحولاً نوعياً في مسار الطب الجيني. الدكتورة جنيفر دودنا، الحائزة على جائزة نوبل في الكيمياء لعام 2020، أكدت على ضرورة “التفكير في التداعيات الأوسع المترتبة على تكنولوجيا قوية مثل كريسبر، وفي كيفية تطويرها على نحو مسؤول يخدم البشرية جمعاء”. كما بينت عالمة الوراثة البريطانية كاي ديفيز من جامعة أكسفورد أن هذه الموافقات تفتح الباب أمام موجة من التطبيقات العلاجية الأخرى في المستقبل، لكنها حذرت من أن تكلفة هذه العلاجات التي تصل إلى 2.2 مليون دولار لكل مريض تمثل تحدياً كبيراً أمام تعميمها عالمياً.
منذ أول تجربة سريرية مسجلة باستخدام كريسبر على البشر في الصين عام 2016، حين استُخدمت لتعديل خلايا مناعية لدى مرضى سرطان الرئة، والعالم يترقب بحذر وحماس تحول هذه التقنية من وعد علمي إلى واقع علاجي. هذا التطور يضع العلماء والهيئات التنظيمية أمام مسؤولية كبيرة في تقييم المخاطر والمنافع بدقة. اليوم، مع عشرات التجارب السريرية الجارية لعلاج أمراض الدم الوراثية والسرطانات واضطرابات العين، وملايين المرضى بانتظار بارقة أمل، يبقى السؤال: هل تتجاوز كريسبر عقباتها العلمية والأخلاقية والاقتصادية لتصبح علاجاً رئيسياً ومتاحاً على نطاق واسع، أم أنها ستبقى معلقة بين المختبرات والهيئات التنظيمية وصناع القرار؟ العقد الحالي سيحدد إن كانت مجرد “بصيص أمل” أم “ثورة علاجية” تعيد رسم مستقبل الطب.
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا
علوم وتكنلوجيا