سوريا 2026: الفراغ المتسع.. كيف تستغل القوى الإقليمية المخاوف المحلية لترسيخ نفوذها؟


هذا الخبر بعنوان "سوريا 2026: الفراغ… ومن يملؤه عبر الخوف" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٣ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
بقلم أنس جودة
لا تدخل سوريا عام 2026 على وقع حرب إقليمية شاملة، ولا على مسار بناء دولة مكتملة الأركان. بل يهيمن على المشهد فراغٌ آخذ في الاتساع: إنه فراغ دولة، لا مجرد فراغ سلطة. الأخطر في هذا الفراغ أنه لا يبقى محايداً، بل يتحول إلى مساحة قابلة للاختراق بسهولة، لأن المجتمعات التي تعيش داخله لا تبحث أولاً عن السيادة، بل عن الأمان.
التدخلات الإقليمية لا تأتي إلى سوريا بدافع القوة المجردة فحسب، بل لأنها تجد مجتمعات قلقة، مجروحة، وتعيش في هشاشة معيشية متصاعدة. يصبح الخطر الوجودي، الذي هو في كثير من الحالات حقيقي لا متوهَّم، البوابة الأوسع لملء هذا الفراغ حين لا يُدار سياسياً. القلق الذي يُفترض أن يُعالَج عبر مؤسسات الدولة، يتحول إلى مورد يُستثمر خارجها. كما أن الانهيار الاقتصادي، من بطالة وفقر مدقع، لا يكتفي بتعميق الأزمة، بل يحوّل الهواجس الأمنية إلى حاجة يومية ملحّة للحماية بأي ثمن.
تتحرك إسرائيل في هذا السياق بدقة محسوبة؛ فهي لا تخاطب الدولة السورية مباشرة، بل تستهدف المخاوف المحلية: أقليات تخشى التهميش، ومناطق تشعر أنها خارج الحسابات. التدخل هنا لا يُقدَّم كهيمنة، بل كطمأنة مؤقتة. غير أن هذه الطمأنة، مهما بدت مغرية، ليست بديلاً عن الدولة؛ فهي انتقائية، مشروطة، وقابلة للسحب في أي لحظة.
أما تركيا، فمن جهتها، تستثمر في هواجس مختلفة: القلق من الفوضى، من كيانات معادية، ومن تحولات أمنية غير مضبوطة. هي لا تريد انهياراً كاملاً للدولة السورية، لكنها أيضاً لا تريد دولة مكتملة الاستقلال. لذلك تُبقي مستوى التهديد قائماً بما يسمح لها بتبرير حضورها المستمر، وتقديمه بوصفه ضرورة لا خياراً.
ويقف الدور العربي في منطقة رمادية أكثر تعقيداً. فبعض الدول العربية ترى في هواجس المجتمعات المحلية مدخلاً للاحتواء والتهدئة، لكنها تتعامل معها كملف أمني أو دبلوماسي، لا كمدخل لإعادة بناء الدولة. ويزيد التنافس بين دول الخليج وتركيا على النفوذ من تجزئة المشهد، حيث يصبح كل طرف راعياً لقلق محدد في منطقة محددة، دون أفق وطني جامع. فيغيب المشروع الكبير، ويحلّ مكانه حضور انتقائي لا يبدّد اللايقين، بل يجمّده.
في الداخل، لا تُدار الهواجس بفعل الخارج فحسب، بل أيضاً بفشل النخب المحلية في تقديم أفق وطني جامع. حين تعجز النخب السياسية والمدنية عن إنتاج خطاب دولة، يصبح الخوف لغة السياسة الوحيدة، وتتحول المجتمعات من حوامل مواطنة إلى جماعات تبحث عن حماية. المشكلة أن القلق الوجودي، حين يُدار بلا سياسة، لا يبني دولة، بل يبني ولاءات مؤقتة. وكل فاعل خارجي يستفيد من هذه الهشاشة يكرّسها، لا ليحمي المجتمعات، بل ليؤمّن نفوذه. وهكذا يتحول الفراغ من مرحلة انتقالية إلى حالة دائمة.
عام 2026 لن يكون عام الانفجار الإقليمي الكبير، بل عام الانفجارات المحلية المتعددة، في ظل صراع نفوذ لا يسعى إلى الحسم بقدر ما يسعى إلى إدارة التوتر: انفجارات متقطعة، قابلة للاحتواء، لكنها شديدة الاستنزاف للمجتمع والدولة معاً. إما أن يُملأ الفراغ بمشروع دولة يبدّد الهواجس عبر العدالة والمواطنة، أو يُملأ بالخوف المُدار، حيث تتقاسم القوى الإقليمية طمأنة المجتمعات مقابل نفوذ طويل الأمد. القضية الأساسية ليست التدخل بحد ذاته، بل الفراغ الذي يجعله ممكناً. فالفراغ، حين يقترن بالهشاشة، يصبح أخطر من الحرب. ومن لا يملؤه بمشروع جامع، سيملؤه الآخرون… بنفوذهم.
يقول كاسبار ديفيد فريدريش: “حين يضيع المعنى، لا يبقى سوى الفراغ”
سوريا لك السلام
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة