سوق الجمعة في دير الزور: شريان اقتصادي واجتماعي يتحدى قسوة الأزمات


هذا الخبر بعنوان "سوق “الجمعة” في دير الزور.. اقتصاد يصمد أمام الأزمات الخانقة" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
دير الزور – مروان المضحي: يواصل سوق “الجمعة” في مدينة دير الزور، الواقعة شرقي سوريا، ترسيخ مكانته كأحد أبرز التجمعات التجارية الشعبية، وذلك على الرغم من التحديات والمتغيرات التي فرضتها سنوات الحرب. يمثل هذا السوق الرئة الاقتصادية الحيوية للعديد من سكان المدينة وريفها، ومن بينهم عدنان الجاسم، بفضل ما يقدمه من سلع متنوعة واحتياجات أساسية وأدوات مستعملة بأسعار معقولة ومناسبة للجميع.
يتمسك عدنان بهذه العادة الأسبوعية التي تعود جذورها إلى ما قبل الحرب، وقد صرح لعنب بلدي بأن القيمة الحقيقية للسوق تتجلى في ساعاته الأولى، حيث تتوفر أجود السلع قبل أن يزداد الإقبال بشكل كبير، وهو ما يدفعه دائمًا لزيارة السوق مبكرًا برفقة أصدقائه. يقع السوق عند مدخل المدينة، في منطقة تتوسط الجبل والمقابر، حيث يلتقي مئات الباعة والزوار في موعد أسبوعي ثابت، متجاوزين بذلك مجرد مفهوم البيع والشراء.
في ظل الظروف المعيشية القاسية، تحول السوق إلى ضرورة ملحة للتبضع، وأصبح في الوقت ذاته ملتقى اجتماعيًا يختزل ذاكرة المدينة اليومية. كما يقدم صورة واقعية عن مرونة المجتمع الديري وقدرته على مواجهة تداعيات الواقع الصعب.
لا يمكن النظر إلى سوق “الجمعة” في دير الزور كحدث طارئ، فهو يمتد في ذاكرة المدينة لعقود طويلة تاريخيًا. ارتبطت أسواق “الجمعة” في المدن السورية عمومًا بالريف المحيط بها، حيث كان الفلاحون والبدو يقصدون المدينة في نهاية الأسبوع لتصريف منتجاتهم الزراعية والحيوانية وشراء احتياجاتهم الضرورية.
في دير الزور، يكتسب السوق أهمية جغرافية وتاريخية خاصة، فموقعه القريب من الجبل المطل على المدينة يمنحه رمزية عالية، حيث يطل على نهر الفرات من جهة، وعلى بادية الشام من جهة أخرى. قديمًا، كان يُعرف بأنه سوق الفقراء، لكنه اليوم أصبح وجهة للجميع. تكمن أهميته في كونه حلقة الوصل الاقتصادية الأقوى بين الريف والمدينة، بحسب رؤى الخرابة، التي تسكن في المدينة. ففيه تذوب الفوارق الطبقية، ويلتقي أبناء المدينة والريف في مشهد تكافلي يعزز الروابط الاجتماعية التي حاولت الظروف تمزيقها. وأوضحت رؤى أن السوق ليس مجرد مكان للتجارة، بل وصفته بأنه “برلمان شعبي” يناقش فيه الناس أحوال المدينة، وأخبار المطر، وأسعار المحاصيل، وهموم المعيشة.
تبدأ العربات والشاحنات الصغيرة بالوصول إلى الساحة الترابية، حيث لا توجد عقود إيجار ولا محال أسمنتية ثابتة. فالمساحة لمن يسبق، والرزق لمن يأتي أولًا. يفترش الباعة الأرض، يمدون الشوادر أو قطع القماش، وينصبون الأكشاك الخشبية البسيطة التي يمكن فكها وتركيبها في ساعات قليلة، بحسب ما قاله موفق الموسى، أحد سكان المدينة.
يتحدث أحمد عن نغمة الضجيج التي تملأ السوق، خاصة نداءات الباعة المتداخلة، ومساومات الزبائن، وضحكات الأطفال الذين يرافقون آباءهم. يضم السوق كل ما قد يخطر على البال، من أثاث مستعمل يحمل قصص بيوت رحل أصحابها أو تغيرت أحوالهم، إلى أدوات زراعية، وملابس شعبية كـ (الجلابيات والشماغات)، وحتى “الأنتيكا” والعملات القديمة التي يبحث عنها الهواة.
الحاج محمود الأزرق، أحد رواد السوق الدائمين، قال لعنب بلدي إن هذا السوق هو رئة المدينة. وأضاف أنه يأتي إليه منذ 40 عامًا، مشيرًا إلى أن السوق، قديمًا، كان “يعج بالخيرات التي لا تعد”، وفق تعبيره، واليوم رغم الغلاء وضيق الحال، ما زال هو الوجهة الأساسية. وقال محمود: “هنا تجد الصدق في التعامل، وتجد البساطة. نحن لا نأتي لنشتري فقط بل لنرى وجوه بعضنا البعض، لنتأكد أن دير الزور ما زالت بخير، وعندما أرى الشباب والأطفال يعملون بحماس، أشعر أن الأرض لن تموت”.
غادة الخليل، سيدة من ريف دير الزور، تقف خلف بساط صغير لبيع الألبان والخضار، وقالت لعنب بلدي إنها تخرج من قريتها مطلع الفجر، حاملة ما جادت به الأرض والماشية إلى سوق “الجمعة”، لتصريف بضائعها. وأضافت أنه لولا هذا المكان لما استطاعوا تدبير أمور بيوتهم، فالزبائن هناك يعرفونهم، ويثقون بمنتجاتهم البلدية. وتابعت غادة: “رغم التعب والوقوف لساعات تحت الشمس أو في البرد، فإن لقمة الحلال لها طعم مختلف”.
يمثل سوق “الجمعة” حالة من “اقتصاد الصمود” في ظل الأزمات الخانقة التي تمر بها المنطقة، حيث يوفر بديلًا رخيصًا للعائلات ذوي الدخل المحدود. ويمكن لرب أسرة أن يكسو أطفاله من السوق بمبلغ زهيد مقارنة بالمتاجر الفخمة في وسط المدينة. وإلى جانب القيمة المادية، تبرز القيمة المعنوية، فالسوق يكسر العزلة الاجتماعية في دير الزور، إذ إن الذهاب للسوق بمثابة “السيران”، فترى العائلات تتجول، وتتناول الفول أو الذرة من الباعة المتجولين، مما يخلق حالة من البهجة المجانية التي تلطف قسوة الواقع، بحسب أهالٍ قابلتهم عنب بلدي.
رغم الحيوية التي يتمتع بها السوق، فإنه يعاني من نقص الخدمات الأساسية. فالأتربة المتطايرة صيفًا، والوحل شتاءً، يشكلان عائقًا كبيرًا أمام الباعة والزبائن. كما أن غياب التنظيم الرسمي أحيانًا يؤدي إلى فوضى في حركة السير عند المداخل. يطالب الأهالي بضرورة الالتفات لهذا المعلم الشعبي، وتجهيز الساحة بالحد الأدنى من المرافق التي تحفظ كرامة البائع والمشتري.
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد
اقتصاد