أطفال حلب ضحايا "شم الشعلة": ظاهرة استنشاق المذيبات تتفاقم وسط غياب الحلول


هذا الخبر بعنوان "“شم الشعلة”.. ظاهرة تتسع في حلب" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٤ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد مدينة حلب تصاعدًا مقلقًا لظاهرة "شم الشعلة"، أو استنشاق المذيبات، بين الأطفال والمراهقين، حيث باتت مشاهد الأطفال وهم يحملون عبوات المذيبات أو اللواصق مألوفة في مناطق محددة من المدينة. تأتي هذه الظاهرة في ظل ظروف اجتماعية واقتصادية قاسية تدفع الفئات الأكثر ضعفًا نحو سلوكيات خطرة وغير مراقبة.
تتركز هذه الظاهرة بشكل خاص في الحديقة العامة وسط المدينة، وساحة "سعد الله الجابري"، بالإضافة إلى انتشارها في محيط قلعة "حلب". يستغل الأطفال والمراهقون في هذه المناطق ضعف الرقابة وازدحامها لممارسة هذا السلوك.
من الناحية الطبية، أوضح الدكتور محمد شعبان، اختصاصي في طب الأطفال، أن المواد المستنشقة "تصل إلى الدماغ مباشرة خلال ثوانٍ عبر الرئتين"، مما يؤدي إلى اضطراب سريع في الوعي وفقدان مؤقت للإدراك. وحذر الاختصاصي، في حديثه إلى عنب بلدي، من أن التعرض المتكرر لهذه المواد يترك آثارًا تراكمية خطيرة، تشمل تراجع الذاكرة، وضعف التركيز، وتلف الخلايا العصبية على المدى البعيد.
وأكد شعبان أن سهولة شراء هذه المواد ورخص ثمنها يجعلها "إدمانًا صامتًا"، حيث لا يدرك الطفل أو المراهق خطورة ما يفعله، ولا يلاحظ الأهل التغيرات إلا بعد ظهور مشكلات سلوكية واضحة.
معظم الأطفال الذين يظهرون في أماكن انتشار الظاهرة هم خارج المسار التعليمي، فالكثير منهم لا يرتادون المدارس بسبب النزوح المتكرر والفقر، أو التفكك الأسري. ويؤدي غياب المدرسة، التي تُعد مساحة حماية اجتماعية يومية، إلى زيادة قابلية هؤلاء الأطفال للانخراط في سلوكيات خطرة، مثل استنشاق المذيبات، في ظل غياب جهة قادرة على المتابعة أو التدخل الفعال.
من جانبها، ربطت علا حريري، خريجة قسم علم الاجتماع من جامعة "حلب"، الظاهرة بشكل مباشر بالضغوط الاقتصادية والتفكك الأسري في مرحلة ما بعد الحرب. وأشارت حريري، في حديثها إلى عنب بلدي، إلى أن المراهق الذي يعيش خارج المدرسة وفي بيئة فقيرة ومضطربة يبحث عن أي مهرب، وتمنحه عبوة "الشعلة" دقائق من الانفصال عن واقعه المؤلم. وحذرت من أن هذا السلوك يعيد تشكيل الدماغ، ويزيد من الميل للعنف والانعزال، ويخلق ارتباطًا نفسيًا يصعب التخلص منه. وترى حريري أن مواجهة الظاهرة لا تتم عبر المعاقبة أو الملاحقة، بل من خلال بناء بيئة داعمة، وتوفير مساحات آمنة للأطفال، وتفعيل المبادرات المجتمعية في المناطق المتضررة.
ويرصد أهالٍ وأصحاب محال تجارية في محيط الحديقة العامة وساحة "سعد الله الجابري" سلوكيات عدوانية متزايدة لدى بعض الأطفال المتعاطين، مثل سرعة الانفعال، واللامبالاة، والعزلة عن المحيط الاجتماعي، في مقابل غياب شبه تام للدعم النفسي أو التوجيه السلوكي.
بدورها، أكدت هند عقيل، الناشطة الاجتماعية وعضو لجنة مكافحة التسول سابقًا في حلب، أن ظاهرة استنشاق المذيبات لدى الأطفال والمراهقين ليست مجرد سلوك طفولي، بل تعكس نقصًا في الأمان والتحفيز الصحي، وترتبط بضغط نفسي، وفراغ أسري أو مجتمعي، وضعف في توجيه الطفل. وأضافت أن الأحياء المحرومة من الأنشطة الترفيهية وغياب البيئة الداعمة نفسيًا واجتماعيًا تساهم في تفاقم المشكلة.
وأوضحت عقيل، في حديثها إلى عنب بلدي، أن الأطفال قد يلجؤون لهذه السلوكيات أحيانًا للفت الأنظار أو إثبات الذات أمام المجتمع، أو تقليد أقرانهم، دون إدراك للمخاطر الصحية والمعنوية والاجتماعية. وشددت على أن غياب الأماكن المخصصة للترفيه والنشاطات المنظمة، مثل الملاعب والنوادي الشبابية، يترك المجال مفتوحًا أمام الأطفال لمغامرات خطرة، مشيرة إلى أن الطفل في بيئة تفتقر للإشراف يصبح أكثر عرضة للسلوكيات التجريبية غير الآمنة.
وفيما يخص دور الأسرة، أشارت عقيل إلى أن جزءًا كبيرًا من الأهالي يفتقرون للوعي الكافي بخطورة هذا السلوك، أو أنهم منشغلون بتأمين لقمة العيش. كما يتعامل بعضهم مع الموضوع على أنه مجرد لعب أو مزحة، دون إدراك للأضرار الصحية المحتملة، بما فيها تأثيرها على الجهاز العصبي والهضمي والأسنان، بالإضافة إلى آثارها النفسية طويلة المدى. وشددت على أن الاستجابة الحالية للظاهرة غير كافية، وغالبًا ما تكون رد فعل بعد انتشار مقاطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن معالجة المشكلة تتطلب توفير بدائل آمنة وجاذبة للأطفال، مع متابعة مبكرة من الجهات المعنية، وليس الاكتفاء بإطلاق التحذيرات.
لفتت الناشطة الاجتماعية هند عقيل إلى ضرورة التدخل على عدة مستويات: أولها الأسرة، من خلال زيادة الوعي، ومراقبة المحتوى الذي يشاهده الطفل، وخلق تواصل يومي معه. وعلى المستوى المجتمعي، أكدت أهمية فتح مساحات لعب آمنة، وتنظيم نشاطات تطوعية وثقافية ورياضية، وتدريب فرق محلية لرصد السلوكيات الخطرة والإبلاغ عنها للجهات المعنية. أما على مستوى الجهات الرسمية، فالأولوية لتشديد الرقابة على بيع المواد الخطرة للأطفال، وتفعيل دور المراكز الثقافية والنوادي، مع إطلاق حملات توعية مستمرة في المدارس ووسائل الإعلام. وإضافة إلى ما سبق، أشارت عقيل إلى أهمية توفير بدائل تعليمية وترفيهية آمنة، مثل ورشات الرسم والموسيقا والبرمجة البسيطة والأعمال اليدوية والمخيمات الصغيرة المجانية.
تواصلت عنب بلدي مع مدير مركز مكافحة التسول في حلب، محمد عثمان، للاستفسار عن الحالات المسجلة لأطفال يتعاطون مادة "الشعلة" خلال الأشهر الماضية، وعن الأعراض والسلوكيات المرصودة لديهم، وآليات التدخل المتبعة من ناحية العلاج أو المتابعة النفسية، والعدد الإجمالي للحالات. واكتفى عثمان بالقول إن المركز "بصدد إعادة التأهيل"، وإن الموضوع "يحتاج إلى شرح طويل وليس جزئية بسيطة"، دون الإدلاء بأي تفاصيل تتعلق بعدد الحالات أو طريقة التعامل معها. وأضاف أن المركز "مؤقت وليس دائمًا"، ولا يقدم خدمات تأهيل أو تدريب لهؤلاء الأطفال، بل يقتصر دوره حاليًا على "استقبال الحالات وتحويلها إلى دور رعاية متخصصة".
سوريا محلي
سوريا محلي
سوريا محلي
سياسة