المهن الدمشقية: إرث عائلي ينسج هوية المدينة وتراثها الحي


هذا الخبر بعنوان "المهن الدمشقية.. عائلات تحمل اسم صنعتها" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٥ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لم تكن المهن في دمشق القديمة مجرد وسيلة لكسب الرزق، بل شكّلت على مرّ القرون جزءًا لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي والهوية الحضرية للمدينة العريقة. ففي أزقتها الضيقة وأسواقها المسقوفة وحاراتها المتجاورة، نشأت مهن ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بأسماء العائلات، وتوارثتها الأجيال من الجد إلى الابن ثم إلى الحفيد، حتى غدت المهنة لقبًا اجتماعيًا يعرّف العائلة قبل أن يعرّف الفرد ذاته. هذا النمط من التوارث المهني لم يكن استثناءً، بل قاعدة اجتماعية راسخة أسهمت في تنظيم الحياة الاقتصادية والثقافية، وأمّنت احتياجات المجتمع اليومية، بدءًا من الغذاء واللباس وصولًا إلى الأدوات المنزلية والمنتجات الفكرية والروحية. ومع مرور الزمن، تحولت هذه المهن إلى جزء أصيل من التراث السوري غير المادي، ومن خلالها حملت دمشق سمعتها كمدينة للصناعة الحرفية الدقيقة والذوق الرفيع. ورغم تراجع الكثير من هذه المهن اليوم، أو تغير أشكالها، يعود الحديث عنها بوصفها أكثر من مجرد حرفة، بل ذاكرة جماعية وهوية لا تزال حاضرة بقوة في أسماء العائلات، وواجهات الأسواق، وحكايات البيوت الدمشقية.
توارثت العائلات الدمشقية مهنًا محددة جيلًا بعد جيل، حتى التصقت المهنة بالعائلة كلها، وغدت صفة دائمة لها ولقبًا تُعرف به بين العائلات الأخرى. وفي هذا السياق، أوضح الباحث في التراث الدمشقي الدكتور أنس تللو، في محاضرته حول التراث الدمشقي التي تلقت عنب بلدي نسخة منها، أن هذا التوارث لم يكن خيارًا فرديًا بقدر ما كان جزءًا من البنية الاجتماعية للمدينة. فقد كان الابن يتعلم المهنة داخل البيت أو الدكان، في إطار علاقة يومية مباشرة مع الأب أو الجد.
وبرزت أسماء عائلات مثل الحلاق، وترجمان، والداية، والبواب، والحداد، والسيوفي، والشالاتي، والحمصاني، والقضماني، والأرمشي، وغيرها، كدليل واضح على مدى ارتباط الاسم بالمهنة، بحسب تللو. ولم يكن اللقب مجرد توصيف وظيفي، بل علامة اجتماعية تحدد موقع العائلة داخل المجتمع، وتدل على مهارتها ومكانتها المرموقة.
واعتبر تللو أن هذا النمط من التوارث عزز الاستمرارية في جودة الإنتاج، إذ إن المهنة كانت تمارس بوصفها إرثًا يجب الحفاظ عليه وتطويره، لا مجرد عمل عابر. كما ساعد على خلق شبكة قوية من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية داخل المدينة، حيث كان الناس يعرفون بعضهم من خلال المهنة قبل الاسم الشخصي.
وأشار الدكتور أنس تللو إلى أن أهمية المهن الدمشقية العائلية تنبع من كونها كانت تؤمّن كل حاجيات المجتمع آنذاك، دون الحاجة إلى مصادر خارجية. فقد شكلت هذه المهن منظومة متكاملة تلبي احتياجات الناس اليومية، المادية منها والمعنوية.
ففي مجال الغذاء، برزت مهنة العجّان، وهو الفران الذي يقدم الخبز الطازج، ومهنة القصّاب الذي يؤمّن اللحم. إضافة إلى مهن ارتبطت بالحلويات والمشروبات مثل القطيفاتي صانع القطائف الشهية، والقضماني صانع القضامة، والعرقسوسي الذي كان يطوف في الحارات صيفًا مناديًا على شراب العرقسوس المنعش. أما في مجال الأثاث والأدوات المنزلية، فقد عرفت دمشق عائلات امتهنت الصباغة لتعديل ألوان الملابس، والصبّانة لصناعة الصابون، إلى جانب مهنة القباقيبي، التي لم تقتصر على صناعة القباقيب الخشبية، بل شملت معظم أدوات المطبخ الخشبية، مثل مدقّات الكبة، والشوبك، والهاون، والملاعق الكبيرة، والمنخل، وقوالب الحلويات، وحتى صناعة “النمالي” التي كان يُحفظ فيها الطعام وقاية من الحشرات.
وعلى الصعيد الفكري والثقافي، لفت تللو إلى مهنة الصحّاف، أي بائع الكتب، الذي كان مركزه في سوق “المسكية” قرب نهاية سوق “الحميدية”. إضافة إلى مهنة العطّار، التي تطورت من بيع العطور إلى السكاكر ثم الأعشاب الطبية، ما يعكس قدرة هذه المهن على التكيّف مع تغير حاجات المجتمع وتطلعاته.
لا تقتصر أهمية المهن الدمشقية العائلية على بعدها الاقتصادي والاجتماعي، بل تمتد إلى بعدها الثقافي والسياحي. فقد بيّن الباحث أنس تللو أن هذه المهن أسهمت في تكريس صورة دمشق كمدينة للحرف اليدوية الراقية، واستقطبت عبر الزمن زوارًا من مختلف أنحاء العالم. فكم من سائح أوروبي، كما يذكر تللو، سعى لاقتناء قطعة من البروكار الدمشقي، الذي يُعد من أفخم الأقمشة في العالم، أو الأغباني المطرّز بخيوط الذهب والفضة، أو قطع الخشب المصنوعة من الموزاييك المزخرف أو المصدّف اللامع.
ويؤكد تللو أن “هذه المنتجات لم تكن مجرد سلع، بل تمثل خلاصة مهارة متوارثة، وذائقة جمالية تشكلت عبر أجيال”. ويرى أن ما يميز المهن الدمشقية العائلية هو قدرتها على التحول إلى هوية بصرية وثقافية، جعلت من الأسواق القديمة متاحف حيّة، ومن الدكاكين ورشات ذاكرة، تحكي قصة مدينة حافظت على روحها رغم التحولات الكبيرة.
واليوم، ومع تراجع الكثير من هذه المهن أمام الإنتاج الصناعي والتغيرات الاقتصادية، تبقى أسماء العائلات، والمنتجات المتبقية، والشواهد المعمارية، دليلًا حيًا على مرحلة شكّلت جوهر الهوية الدمشقية. مرحلة لم يكن فيها العمل مجرد وظيفة، بل صار امتدادًا للعائلة، وركنًا أساسيًا من أركان التراث السوري الذي لا يزال حاضرًا بقوة في الذاكرة، وإن غاب عن تفاصيل الحياة اليومية المعاصرة.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة