كوبا على المحك: هل يكرر ترامب سيناريوهات الحرب الباردة؟


هذا الخبر بعنوان "دماءٌ في كوبا… العدّ العكسي ينطلق" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
وصف الزعيم السوفياتي الأسبق نيكيتا خروتشيف مدينة برلين الغربية بـ "خِصْيتا الغرب"، في تشبيه يعكس أهمية المدينة الاستراتيجية خلال الحرب الباردة. كانت برلين الغربية نقطة جذب للهاربين من الحكم السوفياتي، حيث شهدت الفترة بين عامي 1949 و1961 انتقال نحو 3.5 مليون شخص إلى ألمانيا الغربية، ما فضح زيف دعاية موسكو حول جاذبية نظامها.
في سياق هذا التشابك المعقد، سعى الزعيم السوفياتي الأسبق نيكيتا خروتشيف، بدءاً بالضغط على الرئيس دوايت أيزنهاور ثم على خلفه جون كينيدي، لإجبار الأميركيين على الانسحاب من برلين الغربية، لكن محاولاته قوبلت بالرفض. حتى بناء الجدار لاحقاً لم يحل القضية بشكل كامل. ولهذا، كانت برلين أحد العوامل الرئيسية التي أدت إلى أزمة صواريخ كوبا. اعتقد خروتشيف حينها أن عدم تحرك أميركا في كوبا سيعني عدم تحركها للدفاع عن مدينة أوروبية بعيدة ومعزولة. انتهت الأزمة بتعهد علني من كينيدي بعدم التدخل العسكري في كوبا، واتفاق سري بسحب صواريخ باليستية أميركية من تركيا، ما سمح للطرفين بحفظ ماء الوجه.
لكن الجرأة السوفياتية في افتعال هذه الأزمة نبعت من اعتقادهم بأن تطوير ترسانتهم النووية سيمنع الولايات المتحدة من الرد على تحدياتهم. عملياً، عكست النتيجة النهائية لأزمة الصواريخ موازين القوى الحقيقية، حيث خرجت أميركا منتصرة نسبياً. كان هناك شك في رغبتها بغزو آخر قريب للجزيرة بعد فشل عام 1961، كما أنها كانت ستفكك صواريخها المنشورة في تركيا حتى قبل طلب موسكو. هذا الانتصار الصعب كان نتيجة لحجم الترسانة الأميركية، حيث امتلكت واشنطن رؤوساً نووية تفوق مخزون الاتحاد السوفياتي بنحو سبع مرات.
تُعيد هذه الأحداث صياغة حسابات الحرب الباردة؛ فإذا كان الاتحاد السوفياتي قد تمكن من الضغط على واشنطن رغم الخلل الكبير في التوازن النووي، فإن روسيا، وخاصة الصين، قد تتمكنان من ممارسة ضغط أكبر في كوبا اليوم بفضل ترسانات وصواريخ أكثر تطوراً. نظرياً، قد لا ترغب الصين وروسيا في مغامرة كهذه في كوبا، حتى لو امتلكتا القدرة. لكن التخطيط الاستراتيجي طويل المدى لا يقتصر على نوايا الخصم بل يشمل قدراته أيضاً. من المرجح أن تتركز الطموحات الصينية حالياً في "الجوار القريب"، لكن الوضع قد يتغير على المدى البعيد. هذه مجرد جزء من حسابات الإدارة، فليست كل الحسابات مبنية على سيناريوهات "نهاية العالم".
توجد قضايا أخرى قد تدفع واشنطن نحو الإطاحة بالحكم في كوبا، بعضها شخصي. فالانفتاح الذي قاده الرئيس الأسبق باراك أوباما على الجزيرة يُعد دافعاً محتملاً لاستياء ترامب، على غرار توقيعه على الاتفاق النووي. كما أن "متلازمة هافانا"، وهي الأعراض الصحية الغريبة التي أصابت دبلوماسيين أميركيين في كوبا، والتي يشتبه البعض في ضلوع السلطات المحلية أو روسيا فيها، تزيد من التعقيد. وإذا كان ترامب يهدف إلى تعزيز العلاقات التجارية مع أميركا الجنوبية، بالتوازي مع "فك الارتباط" عن الصين، فإن كوبا قد تشكل عائقاً جغرافياً، وإن كان صغيراً، أمام هذا الطموح. إضافة إلى ذلك، فإن الإطاحة بحكومة هافانا، خاصة إذا تمت بسلاسة، ستُعتبر إنجازاً لترامب، وستستدعي مقارنات مع غزو خليج الخنازير الفاشل الذي حدث تحت قيادة رئيس أميركي شعبي.
لا تعني هذه الهواجس أن قرار ترامب بشأن كوبا محسوم. فقد يركز اهتمامه على دول أخرى، أو ينتظر تطور الأحداث في فنزويلا لاتخاذ قراره. ومما يزيد الأمر تعقيداً هو إعلان ترامب أن بلاده قد لا تحتاج للتدخل في كوبا لأن حكمها على وشك السقوط، وهو ما قد يكون مجرد خداع. فقبل هذا الإعلان، كانت هناك تقارير أميركية تشير إلى سعي ترامب لتسوية مع الرئيس السابق نيكولاس مادورو. في كتابه "فن الصفقة"، يستخدم ترامب عبارة "اشتمام رائحة الدماء" لوصف اللحظة التي يدرك فيها المفاوض ضعف وخوف الطرف الآخر. في فنزويلا، سالت دماء كوبية بالفعل دفاعاً عن مادورو، باعتراف الكوبيين أنفسهم، بالإضافة إلى أن كوبا ستخسر إمداداتها النفطية من فنزويلا. من المؤكد أن ترامب قد "اشتمّ الرائحة". ربما يكون السؤال القادم هو "كيف" وليس "هل" ستنقض أميركا على ضحيتها التالية، فوفقاً للرئيس الأميركي، بمجرد أن تصل هذه الرائحة إلى الطرف الأقوى، "عندها، أنت ميت".
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة