شعبان عبود: رحلة صحافية سورية في حقل ألغام وملاذ الرواية للبوح


هذا الخبر بعنوان "الكاتب والصحافي شعبان عبود: الصحافة في سوريا كانت حقلاً للألغام.. والرواية ملاذي للبوح" نشر أولاً على موقع zamanalwsl وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٧ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
يُعدّ الكاتب والصحافي السوري شعبان عبود من الأصوات المتميزة التي أثرت المشهد الأدبي والصحافي في سوريا، متجاوزاً الثيمات التقليدية في فترة هيمنت فيها أسماء محددة على الإصدارات اليومية الموجهة للقارئ السوري. وُلد عبود في مدينة بنّش بمحافظة إدلب، ونشأ في بيئة حكواتية غنية صنعتها العائلة والعادات والتقاليد، بالإضافة إلى الزخم الثقافي للمنطقة، مما دفعه إلى استلهام الميثولوجيا والخرافة وتوظيفها في نصوصه الصحافية والأدبية.
في حوار خاص مع صحيفة "زمان الوصل"، يروي شعبان عبود تفاصيل بداياته في "ارتكاب" العمل الصحافي، وتجربته مع صحيفة النهار اللبنانية، ومرحلة ربيع دمشق، وتحديات الاعتقال، وأهم السبق الصحفي الذي حققه، والعلاقة المعقدة بين الصحافة والرواية.
عند سؤاله عن رغبته في خوض غمار الصحافة، يصف عبود هذه المهنة بأنها "متعبة جداً"، وأنها تحرم الصحافي من حياة اجتماعية وعائلية طبيعية، وتضعه في حالة قلق وتوتر دائمين، وأحياناً خوف وتهديد. هذه المشاعر عايشها خلال عمله مراسلاً لصحيفة النهار اللبنانية وكاتب مقالة رأي قبل نحو 25 عاماً، حيث تعرض للسجن مرتين. ويضيف أن متابعة الأخبار والسعي للسبق والمنافسة والخوف من فوات المعلومة، كلها عوامل تجعل الصحافي يخسر جزءاً كبيراً من حياته الإنسانية. ورغم ذلك، يؤكد أنه دخل الصحافة بدافع الطموح والحماس والرغبة في إثبات الذات، قائلاً: "أردت أن أقول شيئاً مختلفاً، وألا أكون شخصاً عادياً يشبه الآخرين". وقد دفعته القراءة المبكرة في الرواية والفلسفة والسياسة لاختيار الصحافة، مدفوعاً بميل للتمرد على سلطة الدولة والعائلة والمجتمع.
وعن تجربته كأحد الأقلام القليلة التي كتبت خارج سطوة النظام وحكم الطائفة والبعث، يوضح عبود أن ما جمعه مع آخرين هو عدم الرضا عن الواقع القائم والسعي لقول ما لا يستطيع الآخرون قوله. ويشير إلى أن وضعه كان مختلفاً لأنه كان يكتب مقالة سياسية نقدية من داخل سوريا في صحيفة النهار اللبنانية، التي كانت ممنوعة لكنها الأكثر تداولاً بين السوريين. وقد تمكن من توسيع هامش الكتابة مستفيداً من مناخ التغيير الذي رُوّج له مع وصول بشار الأسد، لكنه تعرض للاستدعاء الأمني المتكرر والسجن مرتين، مؤكداً أن التجربة لم تكن سهلة أو خالية من الخوف.
ويكشف عبود أنه هو من أطلق مصطلح "ربيع دمشق". فبعد توريث السلطة، ساد تفاؤل عام وظهرت المنتديات الحوارية. وبحكم عمله، كان قريباً من هذا الحراك. وبعد تحذيرات رسمية من "جزأرة سوريا"، تلقى استدعاءً من اللواء هشام الاختيار الذي أخبره صراحة أن هذه الصفحة ستُغلق وأن الاعتقالات قادمة. عاد إلى منزله وقرر كتابة مقالة تنعي تلك التجربة القصيرة، واختار لها عنوان «عن ربيع دمشق القصير» في شباط 2001. لم يكن يعلم أن المصطلح سينتشر بهذه السرعة، ورغم استدعائه لاحقاً وسؤاله عن دلالات التسمية، كان المصطلح قد أصبح شائعاً.
ويصف العمل الصحافي في بيئة قمعية أو زمن حرب أو دولة فاسدة بأنه "شديد الخطورة، يشبه السير في حقل ألغام". ويرى أن الصحافي أمام خيارين: إما احترام المهنة وتحمل المخاطر، أو التواطؤ مع السلطة لتحقيق مكاسب، مؤكداً أن من يريد الحقيقة عليه أن يكون مستعداً لدفع الثمن.
من أبرز السبق الصحفي الذي بقي عالقاً في ذاكرته، يذكر عبود حواره مع المراقب العام للإخوان المسلمين علي صدر الدين البيانوني عام 2001، وهي مغامرة كانت عقوبتها الإعدام. وقد حصل على ضوء أخضر غير مباشر لنشر رد أمني على وثيقتهم، ونُشر على صدر النهار، مما أدى إلى عاصفة استدعاءات. أما السبق الثاني فكان عام 2006، حين نشر تفاصيل تنقلات وترفيعات كبار ضباط الأمن قبل إعلانها رسمياً، مما أدى إلى استدعائه واتهامه بالخيانة.
وعن مشاعره بعد سقوط نظام قمع حرية الرأي، يقول عبود إنه للمرة الأولى شعر أن سوريا بلده وأنه ينتمي إليها فعلاً، وهو إحساس لم يعشه أبداً من قبل. وقد تأثر بالمدرسة الصحافية الغربية، وبأسماء مثل توماس فريدمان وكريستيان أمانبور، وأحب أسلوب جهاد الزين وبلال خبيز، ويميل للصحافيين الذين يحترمون عقل القارئ ويتكئون على المعطيات لا البلاغة.
وفي المفاضلة بين الصحافة والرواية، يؤكد شعبان عبود أنه صحافي أولاً، لكن الرواية كانت ملاذه حين عجزت الصحافة عن البوح. فالخبر يتعامل مع الإنسان كرقم، أما الرواية فتمنحه اسماً وحكاية. ويضرب مثالاً على ذلك بمقتل ابني أخيه بقصف على بنّش، حيث لم يستطع كصحافي سوى تحرير خبر بارد، لكنه في الرواية أنصفهما كإنسانين يستحقان الحياة. (أحمد صلال - زمان الوصل)
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة