قارعة الدف الأوغاريتية: تحفة عاجية تكشف أسرار الفن والطقوس في أوغاريت القديمة


هذا الخبر بعنوان "“قارعة الدف” الأوغاريتية: بين الجمال الفني والدلالات الروحية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ٨ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تُعد لوحة "قارعة الدف" الأوغاريتية، المكتشفة في مدينة أوغاريت القديمة (رأس الشمرة)، من أبرز الشواهد الأثرية التي تجمع بين الجمال الفني الأخاذ والرمزية الثقافية والدينية العميقة. هذه القطعة العاجية النادرة، التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع عشر قبل الميلاد، تحمل في طياتها إشارات واضحة إلى طقوس موسيقية ودينية مقدسة، وتُعتبر دليلاً ساطعاً على ذروة الفنون في الحضارة الأوغاريتية.
في حديثه لـ "الحرية"، يكشف الدكتور غسان القيم، الباحث في التراث ومدير آثار رأس الشمرة، عن الأبعاد العميقة لهذه اللوحة، مسلطاً الضوء على دلالاتها الثقافية والفنية. ويؤكد الدكتور القيم أن "قارعة الدف" هي من أبهى المكتشفات الأثرية التي أخرجتها أوغاريت، ليس فقط لجمالها البصري، بل لما تختزنه من معانٍ دينية وثقافية وفنية عميقة. هذه القطعة العاجية، المحفوظة حالياً ضمن مقتنيات المتحف الوطني في دمشق، تقف شاهداً على الرقي الفني الأوغاريتي.
عند التمعن في التمثال، يلاحظ الناظر نعومة التشكيل ورقة الجسد، والشعر المسبل على الكتفين، ووضعية الجلوس الهادئة التي تنضح بالسكينة والوقار. كل هذه التفاصيل تشير إلى أن المجسد امرأة لا تُقدم كعازفة عادية، بل في هيئة أقرب إلى التجلي الطقسي. فالدف المستدير الذي تحمله ووضعية الجلوس المتزنة، يخرجان عن المألوف في التصوير الفني المعاصر لتلك الحقبة.
وقد دفع هذا التمثال الباحثين إلى مقارنته ببعض التماثيل المصرية الصغيرة التي كانت تُدفن في القبور لمرافقة أصحابها إلى العالم الآخر، ومن بينها تماثيل لعازفات موسيقى. إلا أن الدكتور القيم يوضح أن هذه المقارنة، على أهميتها، تظل محدودة. فالدف المستدير لم ينتقل إلى مصر إلا في فترة الأسرة الثامنة عشرة، كما أن الفن المصري اعتاد تصوير العازفات واقفات أو راقصات لا جالسات أو راكعات، مما يجعل اللمسة الفرعونية تبدو بعيدة أو غائبة تماماً في هذا السياق.
من هذا المنطلق، يكتسب رأي عالم الآثار الفرنسي الراحل كلود شيفر، الذي نقّب في أوغاريت لأكثر من نصف قرن، وزناً علمياً خاصاً. فقد رأى شيفر في هذه القطعة تمثيلاً للإلهة عناة، الإلهة السورية ربة الخصب والينبوع والحياة المتدفقة. لم يكن هذا الرأي مجرد افتراض شكلي، بل استند إلى نص ميثولوجي أوغاريتي يصف عناة صراحة بوصفها عازفة على الدف، تتغنى بحبها للإله بعل الجالس على قمة جبل صفون (جبل الأقرع).
ويعزز الدكتور القيم هذا التفسير بالإشارة إلى نص طقسي مكتشف في أوغاريت، يصف مشهداً احتفالياً مهيباً تتداخل فيه الموسيقى مع الغناء، والطقس بالجسد، والقداسة بالجمال، مما يرسم صورة طقسية تربط بين الأرض والسماء في توازن عميق. ويضيف أن المشهد يصور الخادم وهو يهيئ المائدة، والخمر المقدسة تُسكب، والأصوات تتعالى؛ صنوج تُقرع، وأناشيد تُرتل، وبعل يتأمل بناته، بينما تُغسل عناة بندى السماء ودسم الأرض، وتُعطر بالزعفران والعنّاب وتتزين بأرجوان الأصداف البحرية. إنه مشهد لا يصف احتفالاً عابراً بل طقساً كونياً، تتجلى فيه خصوبة الأرض وقداسة الموسيقى، ودور الأنثى الإلهية في حفظ توازن العالم.
ويختتم الدكتور غسان حديثه بالقول: "لا يمكن النظر إلى لوحة 'قارعة الدف' بوصفها عملاً فنياً معزولاً، بل هي وثيقة صامتة تختصر تداخل الدين بالموسيقى، والأسطورة بالحياة اليومية، والفن بالعقيدة في أوغاريت. إنها قطعة تقول إن الموسيقى لم تكن ترفاً بل لغة مقدسة، وإن الأنثى لم تكن هامشاً بل مركزاً رمزياً للخصب والحياة والاستمرار."
تظل لوحة "قارعة الدف" الأوغاريتية واحدة من أبرز الشهادات على عبقرية الإنسان الأوغاريتي في ربط الفن بالمعتقدات الدينية والأساطير. إنها ليست مجرد تمثال عاجي بديع، بل هي أيضاً رمز مقدس يعكس تداخل الموسيقى والطقوس الروحية في تلك الحقبة، كما أشار الدكتور غسان القيم، تظل "قارعة الدف" الأوغاريتية إحدى أصدق الشهادات على عبقرية الإنسان الأوغاريتي، الذي صاغ من العاج لا شكلاً فحسب بل أسطورة نابضة بالصوت والطقس والضياء.
ثقافة
ثقافة
ثقافة
ثقافة