العولمة القسرية: استراتيجية أميركا لمواجهة التراجع الاقتصادي من بوش الابن إلى ترامب


هذا الخبر بعنوان "العولمة الإرهابية الأميركية" نشر أولاً على موقع syriahomenews وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١٠ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
لا يختلف عام 2025 كثيرًا عن العامين اللذين سبقاه، وتحديدًا منذ السابع من أكتوبر عام 2023، بل يمثل امتدادًا لهما في سياق الأزمات المستمرة والمتفاقمة. يرتبط هذا الوضع بعملية «طوفان الأقصى»، ويشير إلى صراع مفتوح يُتوقع أن يستمر لفترة طويلة.
يعود السبب في استمرار الصراع إلى إصرار القوى المهيمنة على تحقيق «نصر حاسم»، وهو ما يردده ويلح عليه رئيس حكومة الكيان الصهيوني، ويكرره بالدرجة نفسها الرئيس الأميركي. يحمل هذا التوجه أهمية مصيرية للبنان وشعوب المنطقة العربية والشرق أوسطية، كونه يقع ضمن مسار عالمي أوسع وأخطر، اكتملت هياكله في أواخر العام المنصرم وأوائل العام الجديد، وهو مسار أميركي بامتياز، وترامبي بالتحديد.
يُعد نهج ترامب، في جوهره، ثمرة تحولات نوعية في التوازنات الدولية خلال العقدين الأخيرين، خصوصًا في مجالات الإنتاج والتصنيع وبراءات الاختراع والتصدير وفوائض رؤوس الأموال والاستحواذ على الأسواق. نتج عن ذلك اختلال متعدد الميادين، ما جعل المنافسة تصب بشكل مضطرد لمصلحة الاقتصادات الصاعدة، وفي مقدمتها الاقتصاد الصيني.
يتجه هذا الاقتصاد بقوة دفع متفوقة ليحتل الصدارة في شروط منافسة وضع قواعدها وصاغ مؤسساتها الفريق الاحتكاري السابق بقيادة النظام الرأسمالي الأميركي. ليس خافيًا على السلطات والاحتكارات الأميركية أن الاقتصاد الأميركي المثقل بالديون الفلكية، والذي يشهد تراجعًا مقلقًا في المنافسة الاقتصادية، مهدد بإفلاس صاعق وعاجل ما لم يُتدارك الأمر بوسائل غير تقليدية.
تجلت أولى المحاولات لتدارك هذا التراجع عام 2002 عبر «استراتيجية الأمن القومي الأميركي» الصادرة في عهد الرئيس بوش الابن وفريقه من «المحافظين الجدد». هدفت هذه الاستراتيجية إلى وضع «قوة أميركا في خدمة اقتصادها»، وكانت أبرز وسائلها الغزو عبر «الحروب الوقائية والاستباقية».
كان «الشرق الأوسط الجديد» أول ضحايا هذه السياسات، وشمل ذلك غزو واحتلال أفغانستان والعراق، وتهديد سوريا، والعدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006. أما الغاية، فكانت الثروة الهائلة من الطاقة، وتسخيرها لخدمة الكارتيلات والاقتصاد الأميركيين، وتمكين الكيان الصهيوني.
وُوجه هذا المشروع بمقاومة سياسية وعسكرية غير متوقعة، ما أدى إلى تراجع أصحابه وخسارتهم للسلطة. كان على الرئيس الجديد، باراك أوباما (2008-2016)، و«الدولة العميقة» في واشنطن، تدارك خسائر وخيبات الغزو. تم إطلاق «داعش» في مرحلة، و«الربيع العربي» في مرحلة متصلة، وفق تكامل في الأهداف وتنوع في الأساليب.
مع انتخاب ترامب رئيسًا عام 2016، بدأت نسخة جديدة من مشروع تسخير «قوة أميركا في خدمة اقتصادها» المتراجع بسبب المنافسة. عاد المشروع إلى بداياته مع «صفقة القرن» الترامبية الشرق أوسطية، وتبني كل المطالب الإسرائيلية في فلسطين، وضم الجولان السوري المحتل.
شملت هذه المرحلة الاتفاقيات «الإبراهيمية» التطبيعية مع دول خليجية، وتجاوز «الإشكال» مع القيادة السعودية، والانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران. كما تضمنت سلسلة من التوجهات والسياسات والمواقف الجديدة والمختلفة حيال العلاقات والاتفاقات والمعاهدات والالتزامات والمؤسسات الدولية في معظم الحقول، بما فيها التجارية.
لم يتمكن ترامب من تجديد ولايته عام 2021، لكنه فعل ذلك عام 2025 بزخم استثنائي، رافعًا شعار «أميركا القوية أولاً ومجددًا». تبلورت تباعًا وسريعًا أعمدة وهياكل مشروعه الذي مهد له في ولايته الأولى، متضمنًا سلطة رئاسية «طاغية» تتجاهل وتهمش المؤسسات الدستورية، رغم امتلاكه للأغلبية في معظمها.
يتميز هذا النهج بالافتتان بمفردات العظمة والتميز والاقتدار والسعي إلى الألقاب الكبيرة، ويعززه فريق من المساعدين والمصفقين وأفراد العائلة وأصحاب الثروات الكبرى من صفوة الأصدقاء، إضافة إلى طامحين من بقايا «المحافظين الجدد». يتسم ترامب باستسهال إطلاق المواقف والمعادلات التي تنتقص من كفاءة خصومه، مقابل قدرته الفائقة على فض الأزمات وفرض الإرادة، والمبالغة بوعود الرخاء والوفرة، والانحياز الكامل لمصلحة الأثرياء على حساب الطبقات الشعبية والمتوسطة. كما يغذي عنصرية مقيتة حيال شعوب وجماعات بأكملها، ويشجع ويدعم تيارات متطرفة وفاشية بهدف إضفاء طابع عالمي على سياساته وتياره.
على الصعيد الخارجي، يعمل على تهميش أوروبا وتعميق أزماتها الاقتصادية والسياسية والأمنية، ويحتقر مؤسسات الشرعية الدولية، ويقلص أو يقطع المساعدات عنها، ويهدد مسؤولين فيها، خصوصًا إذا أدانوا الممارسات الإجرامية الإسرائيلية المدعومة دائمًا من واشنطن. بالموازاة، يثابر على فرض الإرادة والسياسات الأميركية كشرعية بديلة، مستخدمًا قوة النفوذ والضغوط والعقوبات والمؤامرات والتدخل العسكري.
في مجرى كل ذلك، يسعى بكل الأساليب، «الناعمة» والخشنة، إلى ابتزاز مئات المليارات من الأنظمة والحكام بعد التلويح برفع الحماية وتقويض السلطات وتهديد الاستقرار، وحتى تهديد السلم العالمي. يختلق ذرائع ويدعي «حقوقًا» ومصالح حصرية واحتكارية لواشنطن في كل بلدان أميركا اللاتينية، مستعيدًا نظرية الرئيس مونرو ومطعمًا إياها بتقاسمها مع ترامب. ويعلن الرغبة في ضم بلدان أخرى، حتى ولو حليفة أو بإدارة حلفاء، ككندا وغرينلاند وبنما.
يحرك الأساطيل والقوات المتنوعة لحصار بلدان وإسقاط أنظمة ورؤساء، كما في فنزويلا، وتهديد أخرى، في انتهاك فظ لسيادتها واستهداف وقح لثرواتها وحقوق شعوبها. ويجاهر باستهداف واستفزاز الصين وروسيا، معتبرًا الأولى الخطر الأكبر على واشنطن وبالتالي العدو الأول لها.
كرست ولخصت «استراتيجية الأمن القومي» الصادرة عن إدارة ترامب في 4 كانون الأول الماضي ما تقدم ذكره وسواه من الأهداف والتوجهات والأساليب. نقع، في النص والممارسة والسياسات، و«دردشات» ترامب مع الإعلاميين، على نسخة شبه متكاملة من «نظرية مونرو»، والمحافظين الجدد، وإضافات ترامب نفسه، لمعالجة أزمة تراجع هيمنة احتكارات بلاده على العالم، ومشكلة تفوق نظام منافس، موجه واشتراكي نسبيًا، على النظام الرأسمالي الإمبريالي الأميركي. يسقط ترامب مبادئ «السوق» وحرية التجارة والحدود المفتوحة والمنافسة، ويشتق نظام عولمة جديدًا يقوم على عبقريته وقدراته الخارقتين، ويعتمد أساسًا على «أقوى جيش في العالم» لنهب واقتطاع وسلب ما يريد للبقاء على قمة العالم: بالقوة والبلطجة والإرهاب.
سياسة
⚠️محذوفسياسة
سياسة
سياسة