عقيدة مونرو: جذور الهيمنة الأمريكية وتحديات النظام الدولي المعاصر


هذا الخبر بعنوان "“عقيدة مونرو” والتحولات الجديدة في النظام الدولي" نشر أولاً على موقع enabbaladi.net وتم جلبه من مصدره الأصلي بتاريخ ١١ كانون الثاني ٢٠٢٦.
لا يتحمل موقعنا مضمونه بأي شكل من الأشكال. بإمكانكم الإطلاع على تفاصيل هذا الخبر من خلال مصدره الأصلي.
تشهد الساحة الدولية اليوم تحولات عميقة لم تتضح بعد أبعادها ومآلاتها، فبين تحديات تغير المناخ وقصور النظام الدولي الحالي في مواجهة هذا الخطر الوجودي، وتعاظم عسكرة التكنولوجيا ودور الذكاء الاصطناعي، وتعزيز رأسمالية المراقبة كمنظومة هيمنة سياسية اقتصادية مركزة بأيدي كبار رؤوس الأموال في الولايات المتحدة، إضافة إلى أدلجة التكنولوجيا الرقمية لدعم مشاريع الهيمنة والأطماع الأمريكية وحلفائها، واستمرار الإبادة الجماعية في غزة، وعجز المؤسسات الدولية الواضح أمام هذه الهمجية التي تُبث مباشرة بدقة عالية على أجهزة الهاتف المحمول. وبالرغم من تاريخية الولايات المتحدة، صُدم الرأي العام دوليًا من عدوانها على فنزويلا، ومخطط نهب ثرواتها، واختطاف رئيسها وزوجته من بلدهما. لم تعد الولايات المتحدة تأبه بصورتها كدولة الحريات والديمقراطية والرفاه، تلك الواجهة التي عملت ماكيناتها الإعلامية والإعلانية، وشخصياتها الاعتبارية، وأفلامها الهوليودية على بنائها وتعزيزها في الوعي الجمعي حول العالم لعقود طويلة. فقد تخلت عن تبريرها للعنف أو تلبيسه بلبوس براق، أو حتى العمل تحت الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لشرعنة نهجها. فاليوم، يستدعي الرئيس ترامب "عقيدة مونرو" من عام 1823 بعد قرنين، بهدف الهيمنة الأحادية على دول أمريكا اللاتينية وفرض نفوذ حصري عليها، رغم أن هذه العقيدة لا تملك قيمة قانونية دولية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن الولايات المتحدة الأمريكية لم تصدق على العديد من الاتفاقيات الدولية رغم عضويتها الدائمة وحقها في "الفيتو"، ومؤخرًا، سحبت إدارة ترامب دولتها من 66 منظمة تابعة للأمم المتحدة ومعاهدات دولية. هذا المقال بقلم لمى قنوت ورهام قنوت رفاعي.
تاريخيًا، في بداية القرن التاسع عشر، خرجت أوروبا منهكة بعد حروب نابليون عام 1804، وفقدت إسبانيا والبرتغال سيطرتهما في الأمريكيتين، واستقلت دول في أمريكا اللاتينية بين عامي 1810 و1823. طغى حينها خوف من عودة سطوة الإمبراطوريات الأوروبية، ووجدت الولايات المتحدة فرصة لمنع الاحتكارات الاستعمارية الأوروبية، ورغبت في أسواق مفتوحة لها في أمريكا اللاتينية. وهكذا، جاء تصميم ثلاثة مفاهيم رئيسة في "عقيدة مونرو" لفصل مجالات النفوذ بين الأمريكيتين وأوروبا، ومنع عودة الاستعمار الأوروبي وتدخله، مقابل عدم التدخل الأمريكي في شؤون أوروبا، "للدلالة على انفصال واضح بين العالم الجديد وعالم أوروبا الاستبدادي". وفيما بعد، أدخل ثيودور روزفلت عام 1904 تحولًا على العقيدة، فبعد أن كانت دفاعية، أضاف إليها ملحقًا قلب فيه السيادة المتساوية للدول إلى سيادة مشروطة في حال لم تلتزم دول أمريكا اللاتينية بمعايير الولايات المتحدة. وبموجب ذلك، صعدت الولايات المتحدة من دولة قومية ناشئة إلى شرطي إقليمي في نصف الكرة الغربي، وأصبح التدخل في شؤون تلك الدول قاعدة وليس استثناء، ومارست دور الإمبراطورية من خلال الوصاية، وإعادة هندسة الأنظمة، وشبكة القواعد العسكرية، وإمبريالية السوق.
مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة الأمريكية منذ تأسيسها تحمل بذور نزعتها الإمبراطورية. ففي الزمن الذي كانت المستوطنات الأوروبية تتوسع على حساب شعوب وقبائل شمال أمريكا الأصليين، لم يكن هدف المستوطنين الأوائل التعايش معهم أو حتى إخضاعهم، بل محوهم عن الأرض عبر التطهير العرقي والإبادة. فقد اعتبروهم عقبة أمام تحقيق وعد إلهي يُعرف بـ"القدر المتجلي" (Manifest destiny)، وأزالوا عنهم صفتهم كشعوب لها الحق في أراضيها، وصوّروهم على أنهم "غير مكتملين حضاريًا" لنزع إنسانيتهم و"عقلنة" المجازر والمظالم والعنف والدمار. وانتقل هذا "المنطق" فيما بعد إلى تقييم الولايات المتحدة لدول القارة الأمريكية الجنوبية، إذ لطالما اعتبرتها دولًا "غير مكتملة سياديًا"، تحتاج إلى وصاية الولايات المتحدة لتقرر مصيرها وما تفعله بأرضها ومواردها، وكذلك دول أخرى في بقية الجنوب العالمي.
تمت الإبادة الاستيطانية للسكان الأصليين في شمال أمريكا قبل وضع القانون الدولي، الذي احتفت به القوى المنتصرة بعد الحرب العالمية الثانية باعتباره "مدونة سلوك" ستلتزم بقواعدها جميع دول العالم حتى لا تتكرر مآسي الماضي والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. لكن في واقع الحال، قُوِّض القانون الدولي مرارًا وتكرارًا لأجل مصالح الإمبراطوريات. وهكذا تُدار اليوم الإبادة الجماعية في غزة والتطهير العرقي في الضفة، وبدل المعالجات السياسية، توسعت عسكرة الاقتصاد والإغاثة والتكنولوجيا، وزاد الإنفاق العسكري لمصلحة الإبادة. وفرضت الولايات المتحدة الأمريكية عقوبات على قاضيتين في المحكمة الجنائية الدولية، هما بيتي هولر ورين ألابينيغانسو، بسبب مشاركتهما في إجراءات أفضت إلى إصدار مذكرة اعتقال بحق نتنياهو، إضافة إلى العقوبات على فرانشيسكا ألبانيزي، مقررة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
يمكن العودة إلى مقولة الكاتب والاقتصادي جون ستيوارت ميل في كتابه "اعتبارات في شأن حكومة تمثيلية" الذي نُشر عام 1861، لفهم الأساس النظري لفكرة أن بعض الشعوب غير مهيأة للحكم الذاتي: "الاستبداد هو أسلوب شرعي للحكم في التعامل مع البرابرة، بشرط أن تكون الغاية تحسينهم". وهو ما يتردد صداه في مضمون المادة رقم "22" الواردة في ميثاق عصبة الأمم لعام 1919، وهي وصاية "الدول المتقدمة" على شعوب لم تتمكن بعد من الوقوف بمفردها، أو غير قادرة على إدارة شؤونها بنفسها.
جوهر ملحق روزفلت وسّع "عقيدة مونرو"، وربطها صراحة بمعيار الحضارة، واستخدم عبارات مثل "مخالفات مزمنة أو عجز" من قبل دولة غير متحضرة في أمريكا اللاتينية، حيث يحق فيها للولايات المتحدة "المتحضرة" ممارسة سلطة شرطة دولية، والتدخل "كعملية حضارية"، "مهما كانت على مضض". وقد جرى ذلك في بنما (1903)، وجمهورية الدومينيكان (1904 و1916)، وكوبا (1906)، ونيكاراغوا (1912)، والمكسيك (1914 و1916)، وهايتي (1915)، وفنزويلا (2026) وغيرها.
خلاصة القول، لطالما كان المشروع الإمبراطوري الأمريكي يهدد شعوب الجنوب العالمي، وينتهك سيادات دولهم، وينهب ثرواتهم، ويقوض القانون الدولي. لكن الجديد والصادم في إدارة ترامب هو عدم الاكتراث بتبرير العدوان العسكري لتوسيع الهيمنة والاستحواذ على الموارد، أو تهيئة الساحة الدولية والرأي العام في الولايات المتحدة والشمال العالمي بحجج يمكن أن يصدقوها عبر أجهزة البروباغندا والإعلام وصناعة الموافقة الإعلامية. والتغير الثاني هو مد نزعة الهيمنة إلى الشمال العالمي، وتحديدًا غرب أوروبا، وحلفاء الولايات المتحدة، كالتهديد بالاستحواذ على جزيرة غرينلاند، حتى لو كلف الأمر اهتزاز أو تفكك حلف "الناتو"، كما صرحت رئيسة وزراء الدانمارك، في حال شنت الولايات المتحدة الأمريكية هجومًا على دولة في الحلف. كما ازداد الصراع شراسة مع الصين وروسيا من خلال الهيمنة الكاملة والأحادية للولايات المتحدة على السلاسل العالمية للطاقة، وإغلاق الفضاءات الاقتصادية البديلة خارج هيمنتها.
سياسة
سياسة
سياسة
سياسة